يتذكر العشرات من الإسبان حرباً قاسية دارت رحاها بالمغرب خلال القرن الماضي، لم يملك معها الجنرال فرانكو غير البحث عن حل سلمي ينهي معه معاناة الجيش الإسباني. هي “الحرب المنسية” أو حرب إفني، التي زادت من إصرار قبائل أيت باعمران على جلاء القوات الإسبانية عن هذه المدينة، وهو ما تحقق في مثل هذا اليوم من سنة 1969، عبر اتفاق تاريخي وقعته وزارة خارجية المغرب مع ممثلي الحكومة الإسبانية.

الحرب المنسية التي لا زالت بعض المنابر الإعلامية الإسبانية تعود لها، كانت نتيجة انتفاضة لقبائل منطقة سيدي إفني سنة 1957 احتجاجاً على قرار السلطات الاسبانية تجنيس الساكنة وإلحاقهم قسراً بالدولة الإسبانية ابتداءً من سنة 1947، لا سيما وأن سيدي إفني قريبة من جزر كنارية الإسبانية.

تاريخ بداية الوجود الإسباني بالمدينة يعود إلى معاهدة “راس الواد” في تطوان سنة 1860، التي بموجبها منح السلطان عبد الرحمن بن هشام المنطقة إلى اسبانيا بعد الهزائم المتتالية للجيوش المغربية، وبعد مقاومة عنيفة للقوات الغازية عرفت عدداً من المعارك القوية، صار التواجد الإسباني واقعاً بعد سنة 1934 عبر اتفاقية أمزدوغ التي وقعتها قبائل أيت باعمران مع السلطات الإسبانية.

استغلت اسبانيا تواجدها بالمنطقة كي تدفع بأبناء المدينة إلى المشاركة في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) التي فيها قُتل العديد منهم في ملف لا زال يشوبه الإهمال، كما بذلت جهودا كبيرة في محاولة طمس هوية المنطقة وجعلها مستعمرة إسبانية خالدة، إلا أن إعلان استقلال المغرب بشكل رسمي سنة 1956، أذكى من رغبة الباعمرانيين بطرد القوات الإسبانية.

اندلعت انتفاضة الباعمرانيين في 23 نونبر 1957، وساندها جيش التحرير المغربي حيث كانت من بين الأسباب التي أدت إلى حله سنة 1960 بعد تصاعد الخلافات بين قيادييه والأحزاب الوطنية والقصر الملكي، لا سيما وأن مشاركته في هذه الانتفاضة، كانت من بين العوامل التي أدت بالجيش الفرنسي إلى الدخول على خط من أجل نجدة الإسبان وما يعرف بعملية المكنسة سنة 1958 التي أصابت جيش التحرير الجنوبي في مقتل.

نقلت جريدة “أ.ب.س” الإسبانية عن كتاب “إفني 1958: الصراع الدموي بالدشيرة” لمؤلفه الكاتب والعقيد المتقاعد “خوسي ماريا مانريكي”. كيفَ قُتل 48 إسبانياً من أصل 198 شاركوا في إحدى معارك “الحرب المنسية” المعروفة بالدشيرة، وذلك عندما بدأت الهجمات من طرف مقاومين مغاربة انطلاقاً من المناطق التي استقلت للتو بالمشاركة مع أبناء المنطقة، وهو ما أدى إلى تحرير مدينة طرفاية سنة 1958.

وتزامناً مع المعارك الضارية ضد قوات الاستعمار، كانت الآلة الدبلوماسية المغربية تتحرّك بشكل واضح في المحافل الدولية من أجل الضغط أكثر على الدولة الإسبانية للخروج من بقية المناطق المغربية، وهو ما أدى إلى إلغاء الحماية الإسبانية للمنطقة الشمالية، وإلغاء الوضع الدولي عن مدينة طنجة، والتعريف بالنزاع المغربي-الإسباني في الجنوب.

وإن كانت الحرب المنسية قد انتهت بعد قصم ظهر جيش التحرير المغربي الجنوبي في عملية المكنسة، فالانتفاضة الباعمرنية بسيدي إفني استمرت سنوات بعد ذلك، قبل أن تذعن قوات فرانكو لرغبة المغاربة، ويتم الإعلان عن خروجها سنة 1969، بعد وصول عدد القتلى الإسبان إلى 300 حسب مصادر إسبانية، بينما تشير مصادر مغربية إلى أن العدد وصل إلى عدة آلاف، في وقت بلغ فيه عدد شهداء المغرب حسب تقديرات إسبانية ثمانِ آلاف.

لا زال الطابع الإسباني بمدينة سيدي إفني حاضراً حتى الآن، فقد أسدلت عليها اسبانيا طابعها الإيبيري في المعمار وطبيعة المرافق، كما ساهمت في تطويرها بشكل كبير. وربما أن الاعتناء الإسباني بالمدينة والتجاهل المغربي لها رغم مرور عقود على استرجاعه لها، هو ما يؤجج من حين لآخر بعض الاحتجاجات، ومن دليل ذلك ما وقع سنة 2008، عندما احتلت مجموعة من العاطلين ميناء المدينة، مطالبين بإيجاد فرص الشغل وبإيقاف نهب خيرات المنطقة.

هسبريس