الحمد لله المستوي ، استواء يليق بقدسية ذاته المنزهة ، على عرشه في عليائه وهو سبحانه وتعالى القائل في محكم تنزيله مخاطبا خاتم انبيائه عليه وعليهم جميعا افضل صلواته وازكى تحياته : وما ارسلنا من قبلك الا رجالا يوحى اليهم فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون . والصلاة والسلام التامان الاخلصان على خير الرجال وسيد الانام على الاطلاق محمد بن عبد الله الرحمة المهداة والنعمة المسداة الذي اسس بنيان واعلى وشيد صرح حضارة بني الانسان منذ بعثته الى يوم الحشر والميزان ليس الا ببناء وتكوين الرجال الذين جعل منهم اوتادا واركانا محمولة عليها طبقات ودرجات وخرسانات هذه الحضارة السامية الراقية العالية الشامخة شموخ الراسيات من الجبال والمسماة بكل فخر واعتزاز : دين الله الاسلام المؤدي الى فلاح وسعادة من سلك سبله من الورى في الاخرة والاولى بحق وضمانة محققة ويقين لا امتراء فيه ولا ارتياب :

يبني الرجال وغيره يبنى القرى             شتان بين قرى ورجال

وللعلم فالمقارنة هنا جلية واضحة ، كوضوح الفرق بين الثمن والقيمة تماما بتمام ، بين من يرى السعادة المروم بلوغها مختزلة في حيازة الاشياء من مباهج وزينات وزخارف الحياة الدنيا القصيرة الامد والخفيفة الوزن وتجميع الاموال فيها والاثاث والفتات على قاعدة :” فجمع فاوعى ” :

بنو الدنيا جاءتهم احاديث جمة           فما صححوا الا حديث ابن دينار

(اي ان الذي يهمهم ويشغل بالهم ويثير انتباههم ، بليلهم ونهارهم وحلهم وارتحالهم ، هو الدينار والدرهم وما جرى مجراهما )

وبين من يرى هذه السعادة نفسها مكنونة محصنة محفوظة جواهرها اللؤلوية في المثل العليا والقيم الرفيعة والسجايا والفضائل والمكارم النفيسة الغالية والعزيزة المنال البعيدة الدرك.

ولست ارى السعادة جمع المال              ولكن التقي هو السعيد

وان كنت تسعى للسعادة فاستقم        تنل المرام وتغد اول من سما

الف الكتابة وهو بعض حروفها          لما استقام على الجميع تقدما

والاستقامة المطلوبة هنا والمقصودة هي ، بطبيعة الحال ومقتضى السياق والمساق ، الاستقامة على تعاليم وتصاريف الدين مصداقا لقوله عز وجل : فاستقم كما امرت ومن تاب معك ولا تطغوا انه بما تعملون بصير ، ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من اولياء ثم لا تنصرون ، واقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ، ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين .. وقوله جل جلاله : ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون … صدق الله العظيم الذي كل منا يكدح كدحا لملاقاته.

ذلك ، ولئن كثر وانتشر وشاع بشكل غير مسبوق في بني الزمان الحديث والكلام عن ازمات عصيبة وعصية وشائكة تهم مجالات وميادين الاقتصاد والسياسة والعمران والصحة والبيئة والفضاء والعدل والقضاء والتعليم وغيرها من مناطات الحياة العامة والخاصة ، فقد بدا وبرز لكل ذي لحاظ حديد وسليم انه قل بل غاب وانعدم الحديث الا لماما ، عن علة ومصدر واس وجوهر مكمن هذه الازمات مجتمعة الا وهي ازمة الرجال بلا منازعة ولا تزيد ولا مبالغة ولا تبرم ولا روغان .

وعليه فاول ما يحسن البدء به في رحاب هذه الرسالة المتواضعة هو التعريف بهذا اللفظ الجميل الجليل : الرجولة . فما هي اذن الرجولة ؟ وما علاماتها وسماتها ومميزاتها ؟ وما هي عناصر تكوين مادة جسمها المركب والمتشابك والمتعدد القوائم ؟ والى اي حد ومدى يمكننا اعتبار كل انسان ياكل الطعام ويمشي في الاسواق رجلا حقا ، صدقا وعدلا ؟ اسئلة كبيرة وكثيرة وفي غاية التعقيد والاستعصاء تحتاج من كل من له ادنى اهتمام وحرص وغيرة ومحبة صادقة لامتنا الاسلامية ان يفكر فيها بغية ايجاد حل ومخرج ، ولو حتى في نفسه وذوي قرباه وعشيرته الاقربين ، الاول فالاول ، من هذه الازمة الحقيقية المرة التي تخوض  في وحلها هذه الامة التي كانت بالامس القريب او البعيد او ما بينهما ، رائدة قائدة ماجدة مهابة ، مسموعة كلمتها مرفوعا شانها ، مغبوطا حالها بل محسودة عليه ، محسوبا عداد حساباتها وخطاها مروما بلوغ شاوها ومرتبتها على سلم الرقي والتمدن والعزة والازدهار والتمكين والسعادة والفلاح في دنيا الناس والامم .. لتصبح اليوم ، مع كامل الاسى والحسرة والاسف والتوجع والتاوة والتانن والتالم في مؤخرة القافلة او الموكب بل اشبه ما تكون بالفريسة ، واللفظ قاس ولكنه ناجع ومستحق ، تتناهشها وتتقاتل عليها السباع الضارية بلا رحمة ولا شفقة ولا ال ولا ذمة ولا مراعاة حق ولا شفاعة انسانية على وفق ما تنبا به ، تنبؤ تنبيه وتقريع وتحذير وانذار ، الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى اله الشرفاء واصحابه الكرام واتباعه واخوانه البررة عند قوله : يوشك ان تداعى اليكم الامم كما تداعى الاكلة الى قصعتها … انتم يومئد كثير ولكن يلقى في قلوبكم الوهن . قالوا وما الوهن يا رسول الله قال حبكم الدنيا وكراهيتكم الموت .او كما ورد في جملة الحديث العامر الطويل المعروف عن حب الدنيا وكونه راس كل ضلال وخسران كما في قوله عليه السلام فيما موجزه: والله ما الفقر اخشى عليكم ولكن اخشى عليكم الدنيا ان تنافسوها فتهلككم كما اهلكت من كان قبلكم .وعلى كل حال فان اذم اشكال الفقر المذكور في الحديث هو بالذات الذي اشار اليه ابو الطيب لله دره في بيته الفذ :

ومن ينفق الساعات في جمع ماله        مخافة فقر فالذي فعل الفقر

وعلى اي فليجمع من شاء ان يجمع ما شاء ان يجمع فليس له من ذلك الا ما عناه الشاعر اللبيب بقوله : نصيبك مما تجمع الدهر كله       رداءان تلوى فيهما وحنوط

فيا خسارة نفس في تجارتها         لم تشتر الدين بالدنيا ولم تسم

ومن يبع اجلا منه بعاجله           يبن له الغبن في بيع وفي سلم

بعد هذه الاطلالة التاصيلية ننتقل باذن الله وبتوفيق منه الى مناقشة موضوع الرجولة وارتباطها الوريدي الوثيق بالاخلاق محاولين كشف الغطاء وتلمس الاخطاء والاشارة بالبنان الى مظان ومكامن الخلل والزلل والعيب والداء والخطل العالقة بها لعلنا نخرج بنتيجة وفائدة يعود نفعها وجدواها على الكاتب اولا ، وهو احوج من غيره وافقر الى حسنة يجدها في صحيفة اعماله يوم لقاء ربه ، ثم الى القارئ او السامع او المبلغ( بكسر اللام المشددة وفتحها ) : فرب مبلغ اوعى من سامع او قائل . والخقيقة ان اقرب واسهل سبيل لمعرفة معاني ومغازي الرجولة هو ، كما تم التلميح اليه سلفا وكما ورد في عنوان الرسالة ، علما ان العناوين انساب المضامين ، ان نعتبرها هي و الاخلاق قرينين متلازمين وعنصيرين متمتزجين متلاصقين اذا رفع احدهما رفع الاخر تلقائيا بالتبعية الجدلية. فضلا عن كونهما قطعا ويقينا جازما ، من اهم واجل وااكد عناصر او مكونات مركبة النجاة التي يجسدها ديننا الاسلامي العظيم الحنيف السمح الرحيم .

وعليه فالرجولة ، ايها الناس في مشارق الارض ومغاربها ، انما هي : صدق وامانة واستقامة وعفة وتقوى وايمان وحياء ودعة ويقين وتوكل على الله ورجاء وخشية وخوف منه سبحانه وتعالى ، وروية وتثبت وفطانة وحسن فراسة وعمل ومجاهدة ومكابدة ونصب مستمر ومتلاحق وحركة وامر بالمعروف ونهي عن المنكر واستبصار وانطلاق وسعي واقدام واقبال وبر واحسان وشجاعة وعلو همة وعلم وحلم ومحبة واخلاص وتسامح وعدل وانصاف وعزة وانفة وكرم وجود ورشد ووفاء وثقة في النفس ونصرة مظلوم واغاثة لهفان واطعام مسكين وتعاون وتازر وحسن سلوك ولين جانب للمؤمنين وغلظة في غير ظلم ولا اعتداء على الظالمين…الخ. وبالجملة فالرجولة الحقة هي العبودية التامة المطلقة لله عز وجل في المنشط والمكره واليسر والعسر  والسراء والضراء وفي كل وقت وحين وزمان ومكان ، وهي التي يوازيها ويتماشى معها كثير من الاعمال والصفات و الاداب والثوابت الاخلاقية التي لخصها الحبيب المرتضى صلى الله عليه وسلم في قوله معرفا ومبينا لمقصدية مجيئه ويعثته : انما جئت او بعثت لاتمم مكارم الاخلاق . هذا على وجه العموم والاطلاق او كما يقال الجانب النظري التجريدي للرجولة ، اما الناحية التطبيقية فهي الاهم والادعى الى بلورة فكرة اوضح عن هذه القيمة القيمة فنتلمس بعض شواهدها من خلال النماذج الحية والامثلة العملية المختارة على سبيل الاقتضاب والايجاز :

1/ قوله عز وجل :”من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الصادقين بصدقهم”…  فنلاحظ بيسر وسهولة ان الاية الكريمة مع قصرها ابت الا ان تضفي اربع صفات جميلة على الرجولة وهي : الايمان والصدق وانجاز العهد ثم عدم التبديل الدال على التحريف والنكوث وما يجري مجراهما علما ان عدم التبديل ليس بالضرورة مزية وسجية تستحق الثناء والتنويه بدعوى ان عبارات المدح لا تكون عادة بنفي النقائص بل باثبات الفضائل . بدليل ان قولك مثلا عن شخص ما انه لا يكذب لا يؤدي وظيفة المدح كما لو قلت عنه انه صدوق .

ويجدر بي هنا ان افتح عارضة لا توجه الى من يسمون انفسهم بالاحزاب الاسلامية وعلى راسهم حزب العدالة والتنمية المغربي فاقول متسائلا : اين هؤلاء من مقتضى هذه الاية الكريمة علما انه ، كما يعلم القاصي والداني والذكي والغبي ، قبل وصولهم الى الحكومة كانوا قد قطعوا العهد على انفسهم ان يعملوا بمقتضيات المرجعية الاسلامية الى درجة انك لا تكاد تقرا بلاغا لهم او منشورا او بيانا الا وتجد فيه عبارات :”نعاهدكم الله”و”ما كان الله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل “و” الله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السبيل “و”ان يريد الا اصلاح ما استطعت،وما توفيقي الا بالله ” ;او ما شاكلها .. ولكن ما ان وصلوا الى مبتغياتهم في الكراسي والمناصب ومراكز القرار، وعلم كل اناس مشربهم ، حتى نقضوا هذه الوعود نقض الغزل بعد القوة فاصبح خطابهم الدعائي الرسمي عاريا فارغا بالمرة من هذه المعاني والمباني والمبادئ . وانا ما زلت اتذكر خطاب عبد الاله بنكيران في المهرجان الخطابي للحملة الانتخابية لسنة 1998 بتيزنيت لفائدة مرشح حزبه سنتئذ جامع المعتصم وكانه ” اي ذلك الخطاب ” خطبة جمعة او عيد فطراو اضحى لفرط ما طغى على مواده طابع الموعظة الدينية والاسلوب الارشادي الممزوج بالتهجم الصريح على الاحزاب السياسية الاخرى وخصوصا المصنفة من قبل حزبهم الاسلامي الناشئ يومئذ في خانة الاحزاب العلمانية او الالحادية او الاباحية اليمينية منها و اليسارية بل حتى الوسطية . ومن تم ،فبدافع الغيرة الدينية واستشعارا للمسؤولية الفردية الملقاة على عاتقي كمسلم وكفى ، فاني لا احس في نفسي بادنى خجل ولا وجل لاهمس في اذان هؤلاء بل اني اصرخ باعلى صوتي مخاطبا اياهم بقولي : لقد عودتمونا منذ وصولكم  الى مقاليد السلطة عن كثرة الكلام عن تقييم حصيلات جهودكم وانجازاتكم الضخمة ومشاريعكم ورهاناتكم المكسوبة واهميتها مقارنة مع ما حققه الذين من قبلكم ولكن وعلى التسليم بصحة مزاعمكم ، فقد فاتكم ان كل هذه الاعمال التي قدمتوها وما زلتم تقدمونها ، ولعلة افتقارها الى الاخلاص لله عز وجل فكانكم انما تضعونها في كيس مثقوب (اسكرس او اكافو ايبين ) او في اناء مخروق ( افشكو ايبوكان ) بدليل ما سلف الاشارة اليه وعلى غرار قوله عزوجل :”وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا “. ورحم الله من قال وافاد واجاد :

من زرع الحبوب وما سقاها               تاوه نادما يوم الحصاد

وليس سقيا ولا تعهد الاعمال بالعناية سوى ان تكون ابتغاء وجه الله  وصيانتها من النواقض والمبطلات 2/ قوله عزوجل : قال رجلان من الذين يخافون انعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون وعلى الله فتوكلوا ان كنتم مومنين .

ويفهم من هذه الاية الجليلة امورا عدة تخص صفات الرجولة ومنها الخوف من الله والتوكل المقرون بالايمان به عزوجل وكذا النصيحة المؤدية يقينا الى الغلبة والنصر .

وبالمناسبة فان الاية جاءت في سياق الحديث عن ارض فلسطين الحبيبة الغصيبة التي تشهد هذه الايام وفي شهر رمضان المبارك حربا صهيونية صليبية وحشية يشنها بلا رحمة ولا ادنى احساس انساني احفاد القردة والخنازير ومن والاهم وحالفهم من انصار الطاغوت واولياء الشيطان على اخواننا وبني جلدتنا في غزة وفي غيرها في هذه الارض ، ارض الانبياء و المرسلين ، التي خصها الله بكرامة وميزة لم يحظ بها غيرها وهي انها حيثما ذكرت الارض  موصوفة بالقدسية والبركة في القران الكريم فالمراد بها ، ارض فلسطين المقدسة المباركة بامتياز واستحقاق .وتحاشيا للاطالة في الاسترسال وعلاقة بموضوع رسالتنا ، فلو كان في الامة الاسلامية رجال بالقدر الكافي وبالصفة المطلوبة لما تجرا شرذمة من لقطاء اذل و ارذل خلق الله على الارض في تاريخ الامم والفصائل والشعوب على الاطلاق على فعل افاعيلهم الاجرامية والابادية في حق اخوان لنا مسلمين مرابطين ينوبون عن اكثر من مليار مسلم ومسلمة في الدفاع عن احد اهم  واجل واعز واشرف ثوابت ومقدرات ومقدسات الامة الترابية اطلاقا .

هذا فمن اراد مزيدا من البسط والتفصيل في موضوع قضية فلسطين فاني احيله الى الرسالة 12 من موقع رسائليwww.rassaili.com     ففيها ان شاء الله ما يشفي بعض الغليل ويروي بعض العطش في معرفة كيد ومكر وخداع وشر اليهود الغاصبين من جهة وما يجب على المسلمين في مشارق الارض ومغاربها فعله على وجه التضامن والتازر والتناصر لمواجهتهم ورد جماح غوايتهم وتجبرهم وتعنتهم وظلمهم الذي اوجب غضب الله عليهم الى يوم الدين .

3/ قوله جلت قدرته : وما ارسلنا  من قبلك الا رجالا يوحى اليهم من اهل القرى : وتشير الاية ان الله تبارك وتعالى جعل في قمة هرم الرجولة اعز واكرم الناس عنده وهم الانبياء والمرسلون ذوو العصمة والكمال البشري خلقا و خلقا وخصهم سبحانه وتعالى بمعجزات وكرامات وصفات لا تكون ، وما كان ينبغي لها ان تكون ، الا فيهم صلوات الله وتسليماته عليهم جميعا . ولذلك امر الناس باتباعهم والاقتداء بهم لكيلا يكون لهم على الله حجة بعد الرسل وتحديدا خاتمهم وامامهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه الامام البصري رحمه الله :

ما مضت فترة من الرسل الا                  بشرت قومها بك الانبياء .

ومن خصائص الرجولة التي تفرد بها الانبياء طرا اجمعين ما في قول القائل :

وصف جميع الرسل بالامانة                        والصدق والتبليغ والفطانة

4/ فيه (اي المسجد ) رجال يحبون ان يتطهروا والله يحب المطهرين . ويستفاد من الاية ان من الرجولة اعمار المساجد والمحافظة على صلاة الجماعة فيها اضافة الى ممارسة الطهارة ومحبتها الجالبة لمحبة الله عزوجل وكفى بذلك شرفا وتكريما لمن وفقه الله لذلك .

5/ وجاء من اقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسالكم اجرا وهم مهتدون … الى قوله تعالى : قيل ادخل الجنة قال ياليث قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين .

وهذه الايات بدورها تعالج جملة من سمات الرجولة ومنها المبادرة والسعي والحركة والانطلاق من اجل النصيحة والتبليغ واتباع المرسلين وتوحيد الله عزوجل وغيرها مما ذكره الله على لسان هذا الرجل الذي قيل عنه انه نصح قومه حيا ميتا .فتامل ترشد

6/ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما الرجل هل يستويان مثلا .. وهذه الاية تعالج مسالة الفرق بين الرجولة الحقة والرجولة المزيفة او الظاهرية فقط بمعنى ( والله اعلم واحكم وارحم ) ان الرجل الاول لا يستحق في الحقيقة اضفاء صفة الرجولة الكاملة عليه الا من باب المقارنة البيانية او التعريفية على غرار ما هو مقرر مثلا في اللغة الفرنسية ان لفظ “Homme” بالهاء الكبيرة يدل على اسم الجنس الذي يستغرق جميع بني الانسان بيد ان نفس اللفظ بالهاء الصغيرة “homme” يعنى به الرجل بمعنى الرجولة التي تقابلها “النسوة”(بضم النون المشددة والسين وتشديد الواو المفتوحة ) ان صح التعبير بهذا الاصطلاح .

والحقيقة ان العكس هو الواجب ان يتبنى (مبني للمجهول ) بحكم ان الثاني هو الذي يستحق صدقا وعدلا ، التشريف والتعظيم بتكبير هائه “H” بدل الاول ، بشرط توفر صفات الرجولة فيه طبعا . فكم من رجل من جنس بني البشر “H” ليس حظه من الرجولة “h” الا الاسم .

ولعل هذه المعاني تظهر اكثر جلاء في اية اخرى عند قوله عزوجل : وضرب الله مثلا رجلين احدهما ابكم لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه اينما يوجهه لايات بخير هل يستوي هو ومن يامر بالعدل وهو على صراط مستقيم . والله اعلم

7/ من صفات الرجولة ايضا ما جاء في الحديث النبوي الشريف المروي عن الامامين البخاري ومسلم في قوله صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله : امام عادل ، وشاب ( الشباب من الرجولة والرجولة من الشباب ) نشا في عبادة الله ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل معلق قلبه بالمساجد ، ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمناه ، ورجل دعته امراة ذات منصب وجمال فقال : اني اخاف الله رب العالمين . ولله در من جمع معنى هذا الحديث الشريف قائلا :

امام محب ناشئ متصدق مصل خائف سطوة الباس              يظلهم الله العظيم اذا كان يوم الحشر لا ظل للناس

والاحاديث في باب الرجولة كثيرة جمة لا تحصى بعد حاسب ولكن الوقت لا يسعف لسوق اكثر من السالف ايراده كنموذج عملي فحسب وبدون تعليق لوضوحه وتفاديا للوقوع في حال الذي يفسر الماء بعد الجهد بالماء .

8/ من صفات الرجولة ايضا ما يفهم من مضمن منطوق قصة تلك المراة السوسية الولية الصالحة التي كانت تسقى في البئر فاضطرها الحال ان تترك ذراعيها مكشوفتين فلامتها النساء على ذلك مخافة ان يرى الرجال ما بدا من زينتها التي منها الذراعان ( للعلم لمن لا يعلم ) فما كان جوابها الا ان تقول بكل حكمة ورجاحة عقل وبعد غور تفكير : ولي كنين اركزن ارتنهمح ولي تنركنين اوري همان ومعناها بالعربية “تعربت” :”اذا كانوا رجالا فاني لا اهمهم في شئ ولن يبالوا بي ليطلقوا علي ابصارهم . واذا لم يكونوا هم رجالا فلا يستحقون مني اي اهتمام يجعلني اختفي عن انظارهم لقلة شانهم في عيني ” . ان صحت الترجمة وحسنت. نتمنى ذلك .

فلله درها ما افطنها وما احصفها وما ابلغ كلامها وما اصدقه لان الرجال الاحرار الابطال في الحقيقة فعلا هم الذين يغضون ابصارهم عن المحارم ويحفظون فروجهم ويترفعون ويسمون بانفسهم الطاهرة الزكية اللوامة عن شعارات اللحم والدم واللذة والمتعة الا مع ازواجهم او ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين .

9/ من علامات الرجولة ايضا ما يستشم نسيمه العطر من قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سال رجالا من رعيته ان يتمنى كل واحد منهم امنية في الحياة ، ففعلوا ثم سالوه بدورهم : اما انت يا امير المومنين فماذا تتمنى فاجابهم اجابة الرجل العظيم المحنك قائلا : اما انا فاتمنى ان يكون لي ملء هذا المكان من رجال كابي عبيدة الجراح استعين بهم على امور المسلمين : او كما جاء في المنقبة العمرية : وما ادراك ما عمر . وعليه فمن اراد ان يعرف قدر الرجال وحق وحقيقة الرجولة فما عليه الا ان يرجع الى كتب التاريخ واحوال ومناقب وتراجم الصحابة رضي الله عنهم جميعا من امثال ابي عبيدة (امين الامة ) وابي الدرداء وابي بكر ( صديق الامة ) وعلي بن ابي طالب (باب مدينة علم الامة ) وعثمان (حيي الامة ) وعمر ( فاروق الامة ) وحمزة ( اسد الله في الامة ) وابي ذر ( اصدق لهجة في الامة ) وغيرهم بعد ما يكون قد اطلع على احد مراجع سيرة معلمهم واستاذهم ومعلم و استاذ رجال الدنيا عن بكرة ابيهم سيدنا وحبيبنا وقرة اعيننا ، بابائنا و امهاتنا هو صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى اله وصحبه اجمعين وهم الذين ختم بهم كعب بن زهير قصيدته المشهورة ببانت سعاد قائلا باسلوب صعب يحتاج فهمه الى قاموس بل الى شرح شارح ماهر في الادب العربي الاصيل :

ان الرسول لسيف يستضاء به        مهند من سيوف الله مسلول

في فتية من قريش قال قائلهم           ببطن مكة لما اسلموا زولوا

زالوا فما زال انكاس ولا كشف           عند اللقاء ولا ميل معازيل

شم العرانين ابطال لبوسهم            من نسج داود في الهيجاء سرابيل

بيض سوابغ قد شكت لها حلق         كانها حلق القفعاء مجدول

يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم         ضرب اذا عرد السود التنابيل

لا يفرحون اذا نالت رماحهم         قوما وليسوا مجازيعا اذا نيلوا

لا يقع الطعن الا في نحورهم                وما لهم عن حياض الموت تهليل

10/ من اخلص معادن الرجولة ايضا ما يستفاد من جواب علي بن ابي طالب كرم الله وجهه حين ساله احد رعيته قائلا : لماذا كانت الفتنة في عهد ولايتك ولم تكن في عهد ابي بكر ولا في عهد عمر بن الخطاب فاجابه مفحما اياه وملقيا طينا في فمه : لان ابا بكر وعمر كانا وليين على امثالي من الرجال ، وانا ولي على امثالك . رضي الله عنهم جميعا ورزقنا محبتهم وبركتهم فقد كانوا فعلا رجال بكل ما تحمله لفظة الرجولة من معاني ودلالات ومفاهيم :

*اولئك ابائي فجئني بمثلهم اذا جمعتنا يا جرير المجامع

*والبون بيننا وبينهم شاسع الا انا نقول فتشبهوا ان لم تكونوا مثلهم ان التشبه بالرجال فلاح

ونعوذ بالله ان نكون ممن عناهم جرير في رده ببيته :

اذا افتخرت باباء بهم شرف         نعم صدقت ولكن بئس ما ولدوا

11/ مثال اخر وليس اخيرا تجسده ابيات جميلة وفي غاية  الروعة زودني بها استاذي وشيخي الجليل المحترم سيدي محمد مستقيم الوجاني حفظه الله وبارك له في اهله وولده وتجارته ووفقه في جميع اموره لما يرضيه عنه امين . تقول الابيات :

اذا امرؤ لم يركب الاهوال            ولم تقطع رجلاه النعالا

ولم يغب عن اهله احوالا              يطلب علما او يفيد مالا

فاعطه المرود والكحول        وزد له الاخرص والخلال

ودعه ان يجالس العيالا         فذاك لم يشابه الرجالا    .

والمرود والكحول والاخرص والخلال من الوسائل والادوات التي كانت تستعملها النساء للزينة والتزين فيما مضى . اما في هذا العصر فان ما يراه الرائي على خدود بعض (وليس الكل ولله الحمد) النساء وعلى رؤوسهن وشعورهن وفي عيونهن وشفاههن واظافرهن فهو اقرب من التشين والتذمم منه الى التزين والتحلي . هذا وتجدر الاشارة انه ليس من الانصاف ان نتكلم عن الرجولة دون الحديث عن مقابلها بل مكملها ومعضدها وواجهتها الثانية الا وهي “النسوة ” التي هي قيمة وسجية وخلق وليس البتة نعت وصفة وشكل وهندسة وتضاريس فحسب كما يراد لها ان تكون . وعليه فان المراة الحقة الحرة الابية هي التي حق لها ان تتصف باغلب الاخلاق المذكورة سلفا بخصوص الرجولة مع مراعاة التركيز والاهتمام اكثر فاكثر بما يناسب طبيعتها الانثوية العاطفية وبالتحديد العفة والحياء الذي هو خلق الاسلام بامتياز مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : لكل دين خلق وخلق الاسلام الحياء . ولذلك فجمال المراة كل جمالها وعزها وشرفها وفلاحها وسعادتها في الدارين مختزل في حيائها بعد طاعة ربها ورسوله وزوجها وولاة امرها وجوبا (وهذه شرعة ومنهاج ديننا ) وهذا امر يغفله او يتغافله و يجهله او يتجاهله كثير من الناس وخصوصا في زماننا العصيب هذا الذي نسال الله الا يكون هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم في طرفي حديثين طويلين اولهما عن ابي ثعلبة الخشني والثاني عن ابي امامة مرفوعا وفيهما على التوالي : اذا كان امراءكم صلحاءكم واغنياءكم سمحاءكم وامركم شورى بينكم فظهر الارض خير لكم من بطنها واذا كان امراءكم سفهاءكم واغنياءكم  بخلاءكم واموركم الى نساءكم فبطن الارض خير لكم من ظهرها .

كيف اذا طغى نساؤكم وفسق شبابكم وتركتم جهادكم ، قالوا : او ان ذلك لكائن يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده واشد منه سيكون … نسال الله العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والاخرة .

وفي الختام ، وحتى لا يظنن ظان او يوهمن واهم انني غمطت المراة حقها بتقليل الكلام وايجاز الحديث عنها في هذه الرسالة المتواضعة فاقول ان حجتي او عذري في ذلك انه سبق ان كتبت ونشرت على موقع “رسائلي ” رسالتين تطرقت فيهما وافرغت ما كان يسع جعبتي في انائهما بخصوص موضوع المراة . فليرجع اليهما اذن من يرغب في مزيد من البسط والتوسع . وعنوان الاولى رسالة الى المراة المسلمة (11 ) اما الثانية فعنوانها رسالة الى العروسين(26)  وهي في جزئين مطولين بعض الشيء .

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين واخر دعوانا ام الحمد لله رب العالمين .

عبد الله ابوحميدة

www.rassaili.com