تستقبلك من بعيد بصومعة شامخة تسرد تاريخ الزمان والمكان، بدءا بسورها التاريخي ومعهدها الإسلامي ومدارسها العتيقة وجامعها الكبير…هكذا تحاصرك أسئلة كثيرة وأنت بداخلها حول جمال هذه المدينة التي تفوح رائحة النعناع منها من كل صوب، والمزيّنة جل أماكنها بالخلخال الفضي.

إنها تيزنيت.. إحدى مدن علماء سوس، وقد تعددت الروايات التاريخية حول اسمها، غير أن الذي لا يدعو إلى الشك هو أنها اسم أمازيغي لسيدة أمازيغية تحمل نفس الاسم، ويقال إنها بنت من بنات الملوك الأمازيغ …

 تقع مدينة تيزنيت المغربية في جهة سوس ماسة وتلقب بالعاصمة الفضية.. على بعد 690 كيلومترا جنوب العاصمة الرباط و90 كيلومترا جنوب مدينة أكادير.. ويمتد إقليم تيزنيت، الذي يعد من بين أقاليم الجنوب المغربي، على مساحة 6.960 كيلومترا مربعا، يحده من الشمال شتوكة آيت باها، وجنوبا كلميم وإقليم سيدي افني، وشرقا إقليم تارودانت ومن الغرب المحيط الأطلسي، ويبلغ عدد سكان الجماعة الحضرية تيزنيت 74699 نسمة حسب الإحصاء الأخير.

اشتهرت مدينة تيزنيت منذ القدم بتجارة الفضة، إذ يقصدها الزوار من أماكن بعيدة لاقتناء ما يلزمهم من الفضة الصافية، كما خصص الحرفيون لتجارتهم دارا سميت قديما بـ “تيكمي ن نقرت” أي دار الفضة، ناهيك عن محلات عديدة لهذه التجارة منتشرة قرب ساحة المشور. وعرفت تيزنيت بنبتة “النعناع” التي لها نكهة خاصة، حتى أن العديد من الشعراء الأمازيغ تغنوا بنعناع تيزنيت.

تيزنيت العالمة…

تأسس المعهد الإسلامي بتيزنيت كفرع للمعهد الإسلامي بتارودانت في أكتوبر 1957، حيث انطلقت فيه الدراسة بالجامع الكبير بحلقتين من الطور الأول، بعدها اكترت الجمعية دارين إحداهما لسكنى الطلبة، مضافة إلى سكنى المدرسة القديمة التي هي عبارة عن غرف ضيقة بدون نوافذ، واتخذت الجمعية الدار الأخرى مطبخا ومخزنا مؤقتا للتموين.

كلفت الجمعية الأستاذ محمد بن الباز الجلوي، رحمه الله، إمام الجامع الكبير وخطيبه بالفرع، ورشحته للتدريس فيه رسميا، ثم ألحق به الأستاذ الحسين الباعمراني رحمه الله والأستاذ سعيد إحلمي الحاحي رحمه الله والأستاذ إبراهيم الراشدي الإلغي رحمه الله.

وفور تأسيسه استقبل فرع تيزنيت العديد من الطلبة من أنحاء مختلفة من المغرب خصوصا طلبة المدارس العتيقة الذين استكملوا حفظ كتاب الله تعالى.

ويروي أحد طلبة معهد تيزنيت لـ pjd.ma موجزا عن أيام دراسته بالمعهد خلال بداية السبعينيات قائلا : “ما زلت أتذكر أسماء منقوشة في ذاكرتي قبل أربع وأربعين سنة مضت لا تفارقني أينما حللت، ويتعلق الأمر بالأستاذ محمد بن الباز الجلوي رحمه الله الذي كان يتولى شخصيا – كمدير فرع تيزنيت – تسجيل الطلبة في بداية كل موسم دراسي، والأستاذ الحسين الباعمراني رحمه الله الذي كان يدرسنا مادة الفقه والتوحيد في الصف الرابع حسب النظام التعليمي الحالي (الثانية حسب نظام المعهد آنذاك)، والأستاذ سعيد إحلمي الحاحي رحمه الله الذي درسنا هو الآخر مادة الأخلاق، والأستاذ إبراهيم الراشدي الإلغي رحمه الله الذي درسنا اللغة العربية والأستاذ إبراهيم جمالي رحمه الله الذي درسنا المحفوظات، وكنا داخليين موزعين حسب السن في أربع قاعات للنوم ( رقم 1، ورقم 2، وقم 3 ورقم 4 ) ونتناول الوجبات اليومية في قاعة كبيرة قبالة الأقسام الدراسية التي كان عددها آنذاك خمس قاعات، وكانت الدراسة تتركز على البرنامج اليومي التالي :

الاستيقاظ فجرا لصلاة الصبح بالجامع الكبير وبعدها الحزب الراتب جماعة وتليه مراجعة الدروس بنفس المكان.

السابعة صباحا موعد وجبة الفطور.

الثامنة إلا ربعا الاصطفاف أمام الأقسام استعدادا للدخول في تمام الثامنة.

الثانية عشرة زوالا وجبة الغذاء، يليها الاستعداد لصلاة الظهر بالجامع الكبير وبعد ذلك مباشرة الدخول للحصة الدراسية المسائية.

مباشرة بعد نهاية الحصة المسائية تبدأ حصة المراجعة بذات الأقسام إلى حدود اقتراب صلاة المغرب حيث يتم التوجه إلى الجامع الكبير، ومباشرة بعد صلاة المغرب قراءة الحزب الراتب جماعة ثم يبدأ الدرس في حلقة ما بين العشاءين يتولى إلقاءه الأستاذ محمد بن الباز الجلوي رحمه الله ويشمل السيرة والتفسير وبعض علوم اللغة، وبعد صلاة العشاء يتم التوجه إلى قاعة الأكل وبعده مباشرة إلى غرف النوم للمراجعة فوق الأسرّة إلى حدود العاشرة ليلا حيث وقت النوم.

 ويتولى مهمة الحراسة كل من سي مسعود حارس الليل (حامل لكتاب الله) يحافظ على نظام المعهد وكان جديا في مهمته، وسي محمد الجلوي رحمه الله حارس النهار، أما الطبخ فقد تكلف به سي عبد الرحمان الحاحي رحمه الله وفردان آخران ( دا الحسين ودا محمد رحمهما الله ) تكلفا بالخدمة المطبخية والنظافة”.

تيزنيت حاضنة الفن الأمازيغي

يعتبر “باب العوينة” بتيزنيت خلال بداية السبعينيات فضاء فنيا يقصده الفنانون من كل جهات المغرب، حتى أن العديد منهم أعجب بهذه المدينة الجميلة فجعلها موضوعا لقصائده.

ويتدفق الجمهور من أبناء المدينة عقب عصر كل يوم على حلقات الفرجة لمشاهدة ومتابعة ما استجد بها، بل هناك من يعلم من مصادره الخاصة قدوم فنان من فناني الروايس فيحرص كل الحرص على الحضور للاستمتاع بأشعاره ونغمات “ربابه” أو”لوتاره”، ومن جملة الروايس الذين كانوا يفدون على مدينة تزنيت بانتظام وقتذاك الحاج محمد أوتاولوكولت والحسين بولمسايل وأحمد بيزماون ومحمد بن الحاج بلعيد، وهو ابن منطقة تزنيت، ومبارك أيسار رحمه الله وهو شاعر ضرير فقد بصره منذ الصغر، لكن الجمهور يحبه كثيرا ويدرك أنه سيصبح طاقة فنية من خلال نغمة صوته المتميزة وطلاقة لسانه عند النظم، وما زال هذا الجمهور يتذكر إحدى قصائده التي لام فيها نفسه لما اختار درب الغناء كمستقبل لحياته لكن لم يجد الشاعر مصدرا آخر غير الغناء قائلا :

أماه يا أماه عقلي غدا عقل صبي “ءينا حنا س لعاقل ءيكا تازانتي”

أهرول وراء الغناء خلت أن فيه مزية ” نطفار ءيموريك نغال ءيس كيس لمزيتي “

أما الشاعر بولمسايل فكان يتقن آلة لوتار، وكان متتبعوه معجبون بإحدى قصائده آنذاك تحت عنوان :

بالحيلة وبالتؤدة يقوم المرء وبالحيلة يقعد “لحيلت أس ءيتودويان لحيلت أس ءيتكيوير”، والتي يمجد فيها العديد من مناطق المغرب التي زارها ابتداء بـ “أمزميز” بضواحي مراكش مسقط رأسه، مشيدا بدوام تدفق مياه وادي أمزميز منتقلا إلى “أزوط ” بنواحي شيشاوة و”إمتوكا” و”إحاحان” بكل قبائلها الجبلية ليصل إلى مناطق سوس.

أما الحاج محمد أوتاولوكولت فجل قصائده موعظة وقصص دينية وأشهرها قصيدة الحج التي سجلها في أسطوانتين دفعة واحدة شرح فيها شروط الحج والاحتياطات التي على الحاج أن يتسلح بها لإكمال فريضته دون نقصان.

أما الشاعر بيزماون فتعتبر فترة السبعينيات زهرة عمره الشعري التي جادت فيها قريحته الشعرية بالعديد من القصائد المعبرة حينا عن الغربة وأخرى عن مواضيع خاصة، باستثناء قصيدته “أطبيب” التي انتقد فيها الطبيب الذي يهتم فقط بعلاج ذوي الأموال ويذر من لا فلس له طريحا في فراشه، ورد عليه الشاعر أن الله تعالى هو وحده القادر على استشفاء الجميع وذلك في القصيدة التي مطلعها :

أعانك الله يا مسكين يا من أصيب بالخناجر …” أعاون آربي يان ءيتوتن س تيزا ءيكلين “

إلى أن قال :

أيها الطبيب الطماع ما أحد يرجو منك ..”أيا طبيب ءيكان أطماع ؤر كيك ءيرجا يان “

أن تداويه فالله قادر أن يداوي الجميع، “أتن داوام ربي آيزدارن آيداوا لجاميع”

ما أنا بمعدم مال ولكن حسبي أني جربتك فقط ” هان ءورد لمال آغ ءيخاصان ءيسك نجرب ؤكان”

ويزدحم الجمهور في حلقة نجل رائد الأغنية الأمازيغية الحاج بلعيد رحمه الله، محمد بن الحاج بلعيد، الذي كان قاصا أكثر مما هو شاعرا، وكان يضحك حاضريه بنكت غريبة ويشاركهم هو الآخر الضحك، ويتقن العزف على آلة أبيه “الرباب” وقيل أنه رفض تسجيل ما ينظم من الشعر.

وللمسرح حضور بباب لعوينة بتيزنيت …

وشهد فضاء باب العوينة خلال بداية السبعينيات عروضا مسرحية من إخراج فنانين مرموقين في مجال المسرح أشهرهم رائد العمل المسرحي الأمازيغي المسرحي فارس باقشيش رحمه الله الذي استطاع أن ينتج أسطوانات فكاهية بمفرده يلعب فيها أدوار شخصيات كثيرة، يغير صوته عند تمثيل كل شخصية حتى يخيل للمتلقي، أن العرض ممثل من قبل شخصيات عديدة، وذلك بتناسق رائع. وليس لفارس هذا من وسائل إلا “البندير”، يستعمله تارة للتعبير عن دقات الأبواب وتارة أخرى يوظفه في إلقاء المقاطع الهزلية التي يطعم بها نصه المسرحي.

وقد استطاع هذا الرجل أن يضع اللبنة الأولى للمسرح المغربي الأمازيغي في مرحلته الأولى، وإن كانت الإذاعة الوطنية في المرحلة نفسها تقدم تمثيليات وألغازا هزلية من قبل الأستاذ الصحفي عبد الله النظيفي رحمه الله من خلال برنامجه الأسبوعي الشهير أنذاك بـ “عمي موسى”، إلا أن الذي ميز فارس باقشيش عن غيره هو كونه مبدعا يستثمر كل مؤهلاته لإيصال فنه إلى محبيه في مرحلة طبعتها مجموعة من الظروف … وكانت كلمة “باقشيش” تطلق على ذلك المهرج الذي يطلق عنان لسانه فيصيب بسهام نقده كل من وقف في طريقه، إلا أن فارس ليس من هذا النوع بل من الصنف الذي يعبر عن هموم الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها لعلاج ظواهر اجتماعية سائدة في تلك الفترة.

بيجيدي.ما