محمد أبطان*

عندما يتشاجر الاخوة الصغار على شيء ما يلجؤون الى تحكيم أباءهم. يحاول الآباء تحقيق العدل بين أبنائهم فينصفوا المظلوم و يعاقبوا الظالم و يعطوا كل ذي حق حقه.

في غالب الأحيان يحاول الأخ المعتدي أن يتفاوض مع والديه و يقنعهم بملكيته للعب و الأدوات المتنازع بشأنها متظاهرا بالبراءة و الأحقية. ما ان يصدر الحكم  القاضي بإرجاع ما بحوزته من ادوات مغتصبة لأخيه المظلوم حتى يتمرد المعتدي على هذا الحكم القاسي الذي وضعه في خانة المغتصبين أولا ثم المنهزمين بعد ذلك فيتماطل في تنفيذه. يلجأ في تماطله الى اللامبالاة تارة حتى يفسد على أخيه فرحته أو يلجأ الى تخريب احد وظائف هذه الأدوات حتى لا تعد ذات قيمة تارة اخرى ثم في النهاية يحاول مشاركة هذه الأدوات مع صاحبها الحقيقي حينما تفشل كل مناوراته.

يوم 7 أكتوبر تصارع بنكيران و أتباعه من جهة و الدولة العميقة بأحزابها و اعلامها و نخبها الاقتصادية من جهة اخرى على السلطة – على الحكومة تحديدا لان السلطة الحقيقية في المغرب ليست بيد الحكومة- فحكم الشعب لبنكيران بثلث مقاعد مجلس النواب و برئاسة الحكومة.

الأحزاب الادارية انزعجت من حكم الشعب لصالح بنكيران رغم بذلها لمجهودات كبيرة خلال الحملة من اجل اقناع الشعب و تحقير بنكيران معتمدة في ذلك على الثوابت (الامازيغية..) و المال و الاعلام. بعد حكم الشعب اعتمدت هذه الأحزاب ومن يقف وراءها -على غرار المثال الذي سقناه أعلاه-على أساليب المماطلة و اللامبالاة (مؤتمرات داخلية – زيارات خارجية – مشاورات ثنائية..) لتحجيم فوز بنكيران كما لجأت الى شروط واهية (ابعاد الاستقلال..).لكن بعضها في الأخير قبل المشاركة في الحكومة الى جانب بنكيران و الاستقلال حتى لا يجد نفسه في المعارضة بدون ارادته.

الدولة العقيمة -أو التحكم بتعبير أتباع بنكيران- لجأت الى هذه الأساليب الطفولية لتوجيه رسائل مفادها: 

  • انهزام الأصالة و المعاصرة لا يعني انهزام المشروع الذي كان وراء نشأة الحزب.
  • المصدر الحقيقي للشرعية ليس صناديق الاقتراع لطالما يجب البحث عن توافقات و تحالفات مع الأحزاب بغض النظر عن عدد مقاعدها.
  • منع بنكيران من تشكيل حكومة قوية منسجمة يضيف شرعية الانجاز الى شرعية الصندوق لبنكيران و حزبه.
  • تقييد دائرة تحرك بنكيران وضرورة التزامه بحدود السلطة المرسومة له.

مهندسي هذا البلوكاج الحكومي لم ينتبهوا الى أنه بسلوكياتهم هذه لا يسيئون الى بنكيران و حزبه بل يهينون أكثر من مليوني مغربي راشد –ثلث المقتنعين بالتجربة الديمقراطية المغربية – ذهبوا بإرادتهم الحرة و بوعيهم السياسي الى مراكز الاقتراع لترسيخ الممارسة الديمقراطية بالبلد و لمنح فرصة اخرى لبنكيران للاستكمال وصفته الاصلاحية التي أقنعهم بها خلال حملته الانتخابية.

لكن البلوكاج الحكومي الحالي سيجعل هؤلاء يفقدون ثقتهم بالتجربة الديمقراطية و يحسون بأن اللعبة السياسية بالبلد لا تعطي أي قيمة لصوتهم زيادة على تأثرهم المباشر و غير المباشر بتعطيل كل مرافق الدولة طوال هذه المدة.

النتيجة الحتمية لكل ذلك هو ضعف المشاركة السياسية و ثقة المواطنين بمؤسسات البلد و بالتالي غياب تأثير الحكم الشعبي على سيرها و هذا بالضبط ما يحدث في بعض البيوت جراء عصيان الأبناء لأحكام ابائهم فتنشأ صراعات لا تنطفئ الا بتدخل الجيران و مقدم الحومة.

*مهندس دولة