محمد أزرور

في دراسته القيمة والتي هي في الأصل أطروحة جامعية لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ : المخزن وسوس، 1672- 1822 مساهمة في دراسة تاريخ علاقة الدولة بالجهة، يخلص المتخصص في تاريخ سوس والجنوب المغربي الدكتور محمد حنداين إلى الاستنتاجات التالية :
1- العلاقة بين المركز والجهة لها جذور تاريخية عميقة في المجتمع المغربي.

2- خطاب اغلب الثورات في سوس لا يحمل أي مشروع للانفصال السياسي، بل يهدف أساسا إلى تغيير معادلات السلطة الحاكمة بالمغرب.

3- سر عراقة السلطة المركزية بالمغرب يرجع إلى القوة الرمزية للنظام لا القوة العسكرية أو المادية.
4- يصبح المخزن قويا بقوة جهاته التاريخية الكبرى ويضعف بضعفها. فكلما كانت العلاقة بين المخزن وهذه الجهات علاقة متوازنة، كلما ازدادت قوة السلطة المركزية، وكلما اختل ذلك التوازن كلما دب الضعف والوهن إلى جسم الدولة المغربية، وتصبح البلاد عرضة للتدخل الأجنبي.
(من صفحة 557 إلى 562 بتصرف)

لنتوقف قليلا عند هذه الملاحظات التاريخية والتي يمكن اعتبارها معطيات موضوعية تنسج العلاقة بين النظام السياسي المغربي وبين الجهات الكبرى، خصوصا النقطتين الأخيرتين في ظل ما يقع في منطقة الريف منذ ما يزيد عن الستة أشهر.
لنبدأ من البداية.

ما الذي وقع بالتحديد؟

ببساطة انتفضت ساكنة الريف، وكذلك الشأن بالنسبة لبعض جهات المملكة المتضررة الأخرى، بعد عقود من المقاربات التنموية الفاشلة !

هكذا ! بعيدا عن التحليلات السياسوية والتفسيرات الاختزالية المفارقة للتاريخl’anachronisme كدعوى مشروع الانفصال السياسي الذي تكذبه السيرورة التاريخية التي تحكم علاقة المركز بالجهة.

وللأسف الشديد فالنخبة السياسية لا تقرا التاريخ !
هذه الانتفاضات الحتمية كما يسميها الدكتور المهدي المنجرة هي رد فعل طبيعي للاهانات المتكررة التي تعرض لها الريف منذ الخمسينيات من القرن الماضي وكذا باقي جهات المملكة.

يبقى السؤال المحوري : لماذا اللجوء إلى المقاربة الأمنية في التعامل مع هذه الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية؟

بالرجوع إلى كتاب الباحث الدكتور محمد حنداين السالف الذكر، والذي يستعرض قرنا ونصف تقريبا من العلاقة المتوترة بين المخزن والجهة يمكن القول أن النظام السياسي بالمغرب بقي كما هو ولم يتغير في العمق والدليل على ذلك هذه ″ الحَرْكة الحديثة ″ التي تحاصر منطقة الريف والتي دشنت أولى خطواتها، وكما هو معهود تاريخيا، باعتقال من تسميهم ″ رؤوس الفتنة ″ أي زعماء ونشطاء هذا الحراك السلمي الحضاري الذي أكد مرة أخرى على الهوة الشاسعة التي تفصل الطبقة السياسية عن المواطن العادي المؤطر سياسيا بفضل الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي.
المخزن إذن وكما يصفه الدكتور المهدي المنجرة في كتابهHumiliation à l’ère du méga-impérialisme ″ هو الذي يحكم المخزن. وهو لا يخدم إلا نفسه…كما أن عقلية المخزن قد استشرت أيضا في الأحزاب السياسية التي أصبحت جزءا منه.″ صفحة 115 مترجما.

بالمقابل ومنذ 2011 سنة انطلاق موجات هذا الحراك الاجتماعي، لم تتوقف هذه الاحتجاجات ضد ما يسمى بفيروسات التنميةles parasites de développement المشكلة أساسا من النخب الحاكمة والتي ″ عوضا عن محاربة جذور الفقر والجهل والفوارق الاجتماعية، استثمرت هذه الآفات الاجتماعية لصالحها ولصالح تنمية ثرواتها.″ كما يورد المنجرة في كتابه المذكور، صفحة 143 مترجما.

النظام السياسي المغربي إذن في مفترق الطرق أمام تنامي هذه المظاهرات السلمية لغاية الآن.
فإما مباشرة إصلاحات جذرية وعميقة تغير من تركيبة الحكم المخزني الذي كرسته الحماية الفرنسية والذي ما زال يشتغل بنفس المنطق ونفس الآليات وبأحزاب ونقابات ممخزنة لا تملك سلطة القرار ولا تؤثر في الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمغاربة.

وإما أن الضعف سيصيب لا محالة أجهزة الدولة ومؤسساتها جراء هذه ″ الإضرابات والاضطرابات ″ وسيزداد التدخل الأجنبي في المغرب ليرهن البقية الباقية من الاستقلال والسيادة الوطنية وليقود البلاد لا قدر الله نحو المجهول.

فإلى متى الانتظار؟ والى متى الانتقال الديمقراطي المزعوم؟

محمد ازرور