بقلم عبد السلام الرجواني (سيرة ذاتية: خربشــات على جدار حزيـن 19)

لما دخلت الحافلة محطة «بنجدية»، كان الليل قد أطبق بظلاله على الساحة التي سادها لغط عظيم (مراكش، مراكش، أكادير أكادير، أكادير تزنيت… بني ملال….)، وصدحت في أجوائها منبهات حافلات حاولت عدها، واقبل علينا وسطاء يعرضون علينا خدماتهم. ركبنا بتوجيه من الرقيب العياشي حافلة زرقاء، مخططة بالأبيض، كتب على مقدمتها: «نقل آيت مزال». غادرنا البيضاء ليلا. الرؤية مستحيلة، والتعب تمكن من كل حواسي. تكومت في جلبابي الأزرق وغطت في نوم عميق . ب»سبت جزولة»، أفقت على نداء السائق :

– نصف ساعة ونعود.

دكاكين واطئة، ومقاهي ضيقة ووسخة، وعربات مجرورة، وأطفال مشردون، وحمقى تتدلى شعورهم الوسخة على أكتافهم الضامرة، وشحاذون يعترضون الركاب… أضواء شاحبة وأرصفة متربة … وبائعو الديطاي (السجائر بالتقسيط)، وشاحنات قادمة من الجنوب محملة بالخضر والسمك. حجزنا ركنا بمطعم شعبي، وتناولنا سمكا مقليا، وصحنا مشتركا من اللوبيا البيضاء، وشايا منعنعا. وقضى بعضنا حاجته وراء سور هناك يطل على مطرح للأزبال. ثم عدت لمقعدي وأحلامي التي لم تنل منها منعرجات «اسميمو» و»طابوقة» ( وهي أسماء قرى وأماكن اكتشفتها وتعرفت أسماءها لاحقا).

« كلمين، تزنيت، تارودانت، بلاصا، بلاصا، يات، سين ، منشك…»( تعني بلأمازيغية واحدة، اثنتان، كم…)، كان يصيح الوسيط لما أفاقني الرقيب منبها إياي أننا وصلنا. من محطة « القامرة» بإنزكان، سرت و»الأقرع» راجلين حتى منزل ب»تكمي أوفلا»، أحد دوارير الدشيرة الذي سبقنا إليه الرقيب العياشي وزوجته وابنتهما شهرزاد على متن دراجة نارية. منزل سفلي من غرفتين ومطبخ ودورة مياه، بزقاق ضيق لا يتسع لمرور شخصين، إلى جوار بيوت قديمة وبعض أطلال لم يمهلني الرقيب لاستطلاعها.

ما أن وطئت قدماي المكان حتى أركبني الرجل دراجته النارية واتجه بي لمحطة المسافرين الصغيرة الواقعة بساحة «أسايس» بإنزكان. ناولني تذكرة سفر وأوصى السائق بألا أغادر الحافلة حتى تزنيت. لم أكن قد تناولت الفطور، فاشتريت بدريهمات منحني إياها بابا سيدي عند الوداع، عنقود عنب وعلبة بيسكوي من نوع «هنريس»، ولزمت مقعدي بحافلة ما زلت أذكر أنها ل عبد العزيز الماسي. غدت الحافلة تطوي سهل سوس طيا.

عبرت واد سوس عند قرية «آيت ملول» ، كان الوادي جنة غناء ، ماء وخضرة وبجع وصيادون، وأبقار ترعى على الضفاف. وتوقفت ب«ماسة» النائمة في خمائلها على واد تخاله الكوثر يجري بين حقول الذرة والبرسيم وأشجار من كل صنف.

تطوف بأرجائها نساء تدثرن بملاحف سوداء وتزين بأقراط الفضة وأحجار اللبان، لا تكشفن من أجسادهن سوى عينا واحدة. لاحت تزنيت في الأفق فخفق القلب للقاء. ولجت الحافلة الباب الشرقي للمدينة المسورة، واتجهت إلى ساحة «المشوار»: المحطة الأخيرة من الرحلة. كنت قد التهمت عنقود العنب وعلبة البيسكوي. دلني السائق على الطريق المؤدي إلى الباب الرئيسي للثكنة العسكرية، سرت بخطى سريعة حتى باب الدائرة ثم انعطفت يمينا بمحاذاة السور إلى أن وصلت باب الثكنة، تعلوها لوحة كتب عليها :» ثكنة الشهيد الحسين بن أحمد». سرت بممر حتى أوقفني جندي يحرس المدخل ممتشقا بندقية. حارس ذو بشرة سوداء، وقفا مكتنزة، وشفاه غليظة، حمدت لله أني لقيته نهارا. سألني :

– ما شأنك؟
– أنا ابن سي المهدي، جئت…
– من البلد؟.
– نعم، أيها العم.

أشار علي بالجلوس إلى كرسي، وأمر أحد الجنود بالمناداة على والدي، فيما راح يسألني عن اسمي، وسني، ومستواي الدراسي، وعن أحوال البلد، وظروف السفر. اكتفيت بإجابات مقتضبة، وأنا أتطلع لوجه الوالد الذي أقبل عدوا، فضمني لصدره، وصار يقبلني بلهفة ما ألفتها منه في وزان. أمسك بيدي إلى أن دلفنا بابا فتح على فناء واسع يضم دورا متراصة على اليمين وأحواضا من النعناع والبقدنوس والحبق والأنسون إلى اليسار. بالفناء الواسع، هبت الوالدة والإخوة والأخوات لاحتضاني في حضور جارات تتحدثن لكنة صحراوية وترتدين زي الجنوب المغربي. انتابتني نوبة بكاء عميق، لم أدر هل أسفا على فراق «البدويين»، آم فرحا بلقاء «المدينيين». كفكفت أمي دمعي، ونادت أختي منانة بأن تسخن الماء وتساعدني على الاغتسال، وطلبت من والدي أن يذهب فورا ليأتيني بملابس جديدة أستبدل بها الجلباب المتسخ والحذاء المطاطي المتآكل.

بعد الغذاء، صرت مدينيا، لا قلبا وإنما قالبا، فحق لي أن أصحب الأسرة لسوق عام ب«باب أكلو». كان سوقا سنويا تحج إليه ساكنة أحواز تزنيت قاطبة، من الساحل وأكلو وميرلفت وآيت باعمران ولخصاص ومجاط وآيت جرار والعادر، ومن كل جهات السوس. يأتون للتبضع والترويح عن النفس. خارج باب أكلو، تنصب الخيام، وتعرض كل السلع، وتقدم رقصات أحواش، ويتغنى كبار «الروايس» بروائع الطرب السوسي الأصيل. سوق يأتيه التجار من تندوف ومالي وموريطانيا والسينغال ، محملين بالبخور والتوابل واللبان الحر والأزياء الصحراوية. استهوتني لعبة «الطيارة» و»جدار الموت»، وأثارتني «تشلحيت»، فشعرت بغربة لغوية مستفزة، وقلت لنفسي: – ما السبيل للتواصل غدا مع أهل المدينة؟.

تزنيت ذاك الزمان مدينة شبه مغلقة، يحيط بها سور تتخلله أبواب فوقها أبراج، يخترقها واد غير ذي ماء، وتروي حدائقها ساقية تجري في جموح، تنبع مياهها من «آيت جرار». حدائق «دوتركا» (جوار الساقية) نعيم يرتاح له المتنزهون ويسر به الناظرون. على جنبات المشوار دكاكين يباع فيه كل شيء، أشهرها قيسارية الفضة التي تعرض فيا أجمل الحلي وأنفس المجوهرات. خارج السور، قريبا من الباب الشرقي المحاذي لزاوية ماء العينين يوجد ملعب لكرة القدم، ملعب مترب غير مسيج وليست له منصة. وفي الجانب الآخر للوادي يوجد مسبح، ثم الثكنة، ومن ورائها مضمار التداريب العسكرية.

يمكنك أن تأتي تزنيت أو تودعها من جهات أربع: خروجا من باب أكلو في اتجاه إفني وما دونه من قرى وقبائل، أو عبر باب الخميس ، إما نحو تافراوت وويجان شرقا، أو في اتجاه بوزكارن مرورا بالخصاص جنوبا، وإما شمالا إلى أكادير . هكذا اكتشفت خريطة المدينة الصغيرة رفقة زمرة من أبناء العسكر القاطنين داخل الثكنة. نتذرع بلعب الكرة خارج «القاشلة»، فأقود أصحابي إلى جولات تنتهي بنا بعيدا عن المدينة في كل الاتجاهات، نجمع النبق، ونسبح في الساقية، ونجني حبات الصبار والتين من بقايا بساتين أفناها الجفاف، ونشرب من آبار منسية. نقصد أحيانا «دو توركا» حيث نقطف»أبلوح» (رطب لم ينضج) من نخيلات الواحة، ونمد أيدينا إلى أشجار الرمان، فيطردنا الحارس خارج البستان.

نخصص يوم الأحد لمشاهدة مباراة في كرة القدم، خاصة عند استقبال «فريق الأمل» فرقا منافسة على ملعبه. يمتعنا «التوادي» بلمساته الفنية، و»تيك» بتسرباته الجانبية، و«المعلم» بقذفاته الصاروخية، والحارس بارتماءاته الانتحارية. نصفق لكل تمريرة ولكل مراوغة أو ارتماءة، ونشاغب ما استطعنا عندما تنتهي المباراة في أجواء غير رياضية.