حسن إد حجي

سينما اومبير او سينما تاقديمت بتيزنيت “الحلقة الثانية”

استمر التدافع،و الازدحام،لبعض الوقت،تعالت الصيحات،تمزقت ملابس بعض الرواد،تطايرت الأزرار،الحقيقة ان بوابة، السينما، و ممرها الضيق، ساهما في هذا الوضع المشحون،القاعة تقع في حي شعبي بالمدينة القديمة،في زقاق لايتسع لكل هذا الحشد٠

انتظرنا حتى خُف الازدحام، تجاوزت بوابة السينما، اقتربت من شباك التذاكر، لنقل شباكا تجاوزا، كوة صغيرة، يطل منها “باحسن”كنّا نسميه باحسن بوتخليلت،صاحب مزاج عكر، عصبي المزاج،دائم الانفعال،سلمته النقود،بيد مرتعشة، سألني بانفعال:بالكون ولا اوركسترا؟لم أفهم شيئا من كلامه، قلت اريد الدخول الى السينما..

أعاد السؤال بحدة هذه المرة،لأول مرة أسمع بالكلمتين الغريبتين،فكرت،حرت جوابا،لعنت جهلي بالثقافة السينمائية،أنا سليل الثقافة الشعبية، ثقافة فن الحلقة تحديدا،قلت في نفسي،ربما يسألني،هل اشاهد الفيلم الأول ام الثاني؟توكلت على الله،أجبته و أنا أداري خجلي : هما معا، الأول و الثاني..زعق في وجهي،تمتم بكلمات غاضبة،سلمني ورقة زرقاء صغيرة،غادرت الشباك اللعين،و أنا سعيد بالغنيمة،ورقة صغيرة،لكنها ستحملني الى عالم آخر،شكل دوما حلما كبيرا لي،،

 

بدت التذكرة في يدي،أشبه بجواز سفر،أو تأشيرة دخول الى عوالم جديدة،، في انتظار ان يخف الزحام،عند بوابة الدخول الى قاعة العرض،سألت شخصا بجانبي عن البالكون،و الاوركيسترا،أجابني،الكراسي العلوية، و الكراسي السفلية،لعنت جهلي،بالكاد حفظت الدرس الاول من كتاب الفرنسية،للابتدائي الثاني Jolie Mina Miki..،امضيت أوقاتا ممتعة،اتسلى بالنظر الى ملصقات كبيرة،للأفلام، كانت تزين جدران بهو السينما،ملصقات عملاقة لكبار الممثلين العالميين،بعض الصور اباحية،بها مشاهد ساخنة ٠٠صور صادمة،خادشة للحياء،خاصة بالنسبة لأطفال،يقتحمون السينما لأول مرة، احتكاك بالجسد الآخر في عريه٠٠

تقدمت نحو بوابة قاعة العرض،يقف “الهواري”بقامته الفارعة،تسلم مني الورقة،منحني،نصفها، و احتفظ بالنصف الآخر،دخلت،أتحسس موضع قدمي في الظلام،كان الفيلم،قد بدأ منذ دقائق، القاعة أشبه بحمام، فرن حقيقي، ما كدت اتجاوز العتبة حتى استقبلتني سحب دخان السجائر التي امتزجت مع الاضاءة المنبعثة من كوة في الخلف والتي تتجه رأسا نحو الشاشة،،لم يكن هناك لا الطابق العلوي، ولا السفلي،اللعنة على بوتخليلت،القاعة أشبه بمنحدر حاد،المقاعد الخلفية تبدو وثيرة،تشرف على القاعة،ربما تسمح بمشاهدة أفضل،كنت اتصبب عرقا بفعل الازدحام،بالكاد عثرت على موطئ قدم في الممر،شاشة عملاقة،تصدر منها أصوات تهتز لها جدران القاعة،ظللت للحظات مشدوها،في حالة من الدهشة و الانبهار،سحر الشاشة لايقاوم،،

موقعي لم يكن يسمح بمتابعة مريحة للفيلم البوليسي، لكن،شعرت بالسعادة تغمرني و انا اتابع مشاهد الفيلم لأول مرة في حياتي..فجأة،و دون سابق إنذار،انطلق صفير حاد،من كل جنبات القاعة،تعالت الصيحات،تطايرت الشتائم ٠٠اذكر منها: العور، العرج، أبيضار، ابوكاض،،توالت اللعنات،والشتائم ،طالت الأب و الام،والجد،و النسب كله..

سألت في ذهول،شخصا بجانبي،عما حدث،قال:ألم تلاحظ،أنه حذف مشهدا من الفيلم،أجمل مشهد!!،سألته في غباء،ماذا في المشهد المحذوف؟نظر الي،قال،لن تفهم شيئا،،ثم تابع الصفير و السب،،سألت آخر،من يسبون بهذا الشكل الهيستيري،أجابني، “موستيك”، و من غيره، إنه يتصرف معنا دائما، بهذه الطريقة،يحذف اجمل المشاهد، و الصور٠٠

عرفت فيما بعد أن موستيك هذا، هو المكلف بتشغيل آلة العرض،لا نكاد نراه إلا نادرا، يظل يلازم غرفة الغرض لا يغادرها،مسكين،يظل يشتم و يسب،دون أن يجرؤ على مغادرة غرفته،للرد، او تقديم توضيح، هل كان ساديا؟يستمتع بتعذيب الرواد، برؤية المتفرجين،و هم في حالة غضب و هيجان،لا تهمه الشتائم التي تطاله و تطال أصله و فصله..

كنت أتخيّله بمقص كبير من النوع الذي تجز به صوف الأغنام، و هو يقطع الشريط، نكاية في من يسبونه. توالت مشاهد الفيلم،لازلت اذكرأن بطل الفيلم أو الولد كما كنّا نسميه هو الممثل الشهير Roger Moore،عرفت اسمه فيما بعد،في السلسلة التليفزيونية الشهيرة، الرجل الصالح Le saint ٠

تتابعت المشاهد،بين تصفيق و احتجاج،التصفيق كلما هزم لولد خصومه الاشرار،كانت التحذيرات تأتيه من داخل القاعة،لتنبهه كلما كان هناك خطر يحدق به،بعض المتفرجين،اندمجوا في الأحداث، الى حد الذوبان،اشعر بهم،وكأنهم في قلب الحدث،اما الاحتجاج،فيصدر كلما فطن المتفرجون،ان حذفا قد حدث ٠

انتهى الشريط الاول ،على وقع الاحتجاج،على الاقتطاعات المتتالية،،أشتعلت أضواء القاعة،استراحةEntracte لدقائق،غادر البعض،لإحضار ساندويتش،من “بإبراهيم الملقب ب لاباندرابا،صاحب البشرة السمراء،بعربته المدفوعة،الشهير بوجباته،الخفيفةوالرخيصة،شخص طيب،دائم البشاشة،لاتكاد تفارقه ابتسامته،صاحب نكات، حينما يكون مزاجه رائقا يؤدي مقاطع غنائية شرقية،لسنوات و هو يركن عربته،في زاوية قرب السينما،هو جزء من ذاكرتنا، و ذاكرة السينما تاقديمت..

بقلم حسن إدحجي