قد تزور قصبة “أكادير أوفلا “مئة مرة،. تملأ عينيك من لون الأطلسي، وتجول بنظرك من أعلى لمدينة أكادير، وكزائر لطيف تُمسّد على رأس المدينة، تحرص أن تبتسم وأنت تلتقط لك صورة تؤرخ للحظة بادخة في ما تبقى من ذاكرة أكادير..

قد تفعل كل هذا، وتعود أدراجك راكبا أو ماشيا دون أن تعرف أن داخل تلك القصبة منزل منبني بالطريقة العصرية عبارة عن ضريح للولي سيدي بوجمعة أكناو.

تقول الأسطورة التي حيكت عن هذا الرجل أنه كان من أصول إفريقيا جنوب الصحراء. كناوي تزامت ليلة دُخلته مع هجوم برتغالي على قصبة أكادير أوفلا وعين سيدي بوالقنادل. لكنه ترك عروسه ليدافع عن وطنه واعدا زوجته بالعودة بعد أن يصد العدوان رفقة الجنود. فيحمل خنجره زاهدا في ليلة انتظرها كثيرا.

لكن جنود “البرتقيز” طعنوه، وظل لفترة يترنح من شدة الإحتضار، يقوم جسده برقصات غريبة كديك مذبوح لا أمل له في إلتئام رأسه بجسده مرة أخرى. وعبر قرون بقي الاحتفال بموسم بوجمعة الكناوي مرتبطا بثنائية الحزن والفرح: الفرح بعقد القران والحزن على الوفاة. فزائرات الضريح في الليلة الأولى يحرصن على لبس “القطيب” على عادة العرائس، والتسوك والتكحل وكل ما تستلزمه الزينة والرجال في اليوم الأخير يؤدون حركات راقصة كتلك التي أدّاها لحظة مواجهته لسكرة الموت.

تُخلّد ذكرى بوجمعة أكناوي في شهر غشت في الغالب، ويدوم لـ3 أيام يمارس فيها أهل الولي وعشيرته ومحبوه طقوسا خاصة.

في اليوم الأول يتم الطواف بعجل سمين في الأحياء الشعبية الأكاديرية التي تقطن بها ساكنة من أصول إفريقية. هذا الطواف في الغالب ما يستهدف أصحاب المحلات التجارية والمحسنين من الأسر بهدف التصدّق بالمواد الغذائية من سمن ودقيق وزيت وتوابل، سكر وشاي، وبعض المانحين يتصدقون على أصحاب العجل ببعض النقود، وكل ذلك من أجل تدبير لميزانية معقولية لإحياء ليال تليق بأمير العرسان و عريس الشهداء، “سيدي بوجمعة أڭناو”..

في المساء تبدأ النساء بالتوافد فالليلة خاصة بهن، يتجمعن هناك في النصف الآخر من القصبة بعيدا عن أعين السياح الذين تستهويهم رؤية غروب الشمس من أكادير أوفلا، وكذلك بعيدا عن مُحتسي الجعة الباردة بين حيطان تهدمت وأضحت خرابا يتبول عليه السكارى.

تُعد النساء طبقا يحتوي على أوراق الحناء، والحناء المدقوق، الزميطة، العسل الحر، السمن، أعواد الطّيب… وتحرص كل امرأة أن تظهر في كامل أناقتها، مع ضرورة لبس “القطيب” كرمز ليلة العرس لدى النساء، على الأقل في الزمن القديم. كل ذلك لتهييء مظهر يوحي بأن الزوار في جو يليق بليلة دُخلة ” سيدي بوجمعة “، ليلة كان يريدها أن تتم، لكن “الواجب الوطني” حال دون ذلك، وتلقفت أيادي الغدر بوجمعة أكناوي وتحول من عريس إلى أسطورة.

في اليوم الثاني يتم دبح العجل والخراف وما تم استقدامه من ذبائح وهدايا للولي ومريديه من “كناوة ” وغيرهم من المؤمنين ببركة الولي وقدرته في “إزالة العكوس” و “إبطال التابعة والسحر” و” التعجيل بالزواج”…

وفي اليوم الثالث يتم تقديم أطباق الكسكس للزوار والمريدين خاصة من النساء، بينما الفقهاء يتلون القرآن بشكل جماعي.

قرآن جماعي، أذكار نبوية، بخار كثيف، ذبائح وقرابين، صرخات نساء، بكاء أطفال، رقصات لا تعبر عن غبطة ولا فرح ، إنما كرقص الديك المذبوح، فيقال أن بتلك الرقصات ودّع الولي بوجمعة أكناو عروسه وهذا العالم عندما طعنه ذلك الجندي البرتغالي قبل مئات السنين..

تجدر الإشارة إلى أنه على بُعد أمتار فقط من ضريح سيدي بوجمعة يوجد ضريح آخر يعود للولية “لالة يامنة بنت سيدي براهيم أوعلي ن تغانيمين”.

كل ذلك في النصف الثاني لقصبة أكادير أوفلا، الوجه الآخر لهذه المعلمة التاريخية.
ميمون أم العيد