“حيمي ” مسن من تازونت بجماعة أفلا إغير، أحد جيران منجم الذهب، يتذكر نوستاليجيا المكان قبل ظهور هذا المعدن الاصفر، بكثير من الحنين للسنين الخوالي ، رأى النور هناك، وعاش بالبلدة أجمل أيامه، نصبه أهل مكانه ليكون مشرفا على طاحونة القبيلة المائية، يحرك رحاها السيل الجارف الخارج من العين، بفضل هذا النيع دارت عجلة الطاحونة،وسادت نظارة المكان، فكان لحيمي وجود، وقيمة….اليوم مثل أقرانه ومن تبعهم من ابناء وأحفاد يعيشون على الحنين لما مضى، عادت المياه إلى حقولهم وفق التزامات منجم الذهب مع ذلك، يبكون أحيانا عندما يلجؤون للحكي درفوا الدموع مند سنين عند اعتصامهم واحتجاجهم على نضوب العين، كمن طرد من فردوس مفقود، يحكي محرك الطانونة أن المنطقة ظلت خضراء يانعة بخضرواتها الطبيعية وسط واحة أشجار اللوز والنخيل والزيتون، يسمونها هبة منبع عين “تامينوت”، واليوم كلشي راح مع المنجم.

ماتت تامينوت، علقوا المنجم

” طاحت الصمعة، علقوا الحجام” هو مضمون رد مسؤولي منجم الذهب والفضة، في كل مرة سئلوا من المسؤول عن نضوب المياه، وموت الواحات، فهل بنضوب الذهب، من منجم كولدمنين، وإعلان توقف الشركة عن استخراج الذهب، والإبقاء على منجم النحاس وحده، وتسريح ثلاثة أربع من العمال، ستعود عين تاماينوت للساكنة ويستجمع حيمي ما بقي من طاقته وأطراف آلته العجيبة، لتعود الرحى إلى سابق عهدها، أم أن مقطع عبد عبد الوهاب الدكالي سيكون لازمة بعد تحويره” فين حيمي ، فين الواحات فين النخيل وخبز الشعير …كلشي راح مع الزمان، كلشي صار فخبر كان…وما يدوم غير وجه الله… الله حي باقي ديما حي…”

تحيط بالمنجم بلدات (تازونت و إنليوى و تغيغيت و تنسغل) منها تتشكل فخدة “إداو يزيد”، بقيادة “أفلا إغير” دائرة تافراوت، إقليم تزنيت توجد على ارتفاع 1050م عن سطح الأرض. يعيش أهلها منذ عهد السعديين على النشاط الفلاحي من زراعة معيشية وتربية الماشية، تفرقت سكناهم بين أرجاء واحة أشجار اللوز والنخيل والزيتون، هبة منبع عين “تامينوت” القلب النابض لحياتهم وسبب استقرارهم وارتباطهم بالأرض رغم وعورة الظروف وقساوتها.

بكوا توقفها بالدموع رغم أن المنجم برأي عديد منهم غير الحياة بالمنطقة حول أفلا إغير إلى حاضرة عمالية ضمت في وقت 1400 عامل كونوا اسرا ومدينة تشمل كل مناطق المغرب، شيدوا المباني، رغم أنهم جلبوا نكد الحياة لحيمي ورحاه وقبيلته، خلقوا حياة أخرى وقيما أخرى يرفض بعض أهل المكان وجودها مع ذلك استسلموا لها بعدما اصبحت ابن بئتهم.

” تاميانوت” من شدة ارتباطهم بهذا النبع المائي، صاروا يتناقلون عبر الأجيال تاريخه،”لا يعرف بالضبط من قام بالحفر الأولي الذي تشققت عنه المياه الزاخرة وتفجرت، لكن بالتأكيد فإن جريانها كان قبل القرن العاشر الهجري “بالنظر إلى أن قبيلة بني يزيد هذه، ومنها بلدة تازونت، تقدر ساكنتها في ذلك الوقت بحوالي 150 أسرة حسب إحصائية المؤرخ إبراهيم الحساني”، كما تعكس الآثار التي ما تزال قائمة لإحدى المطاحن المائية كون هذه القبيلة لا تغادر أحوازها إلى غيرها بل كانت تحقق اكتفاءها الذاتي من الحاجيات الغذائية من منتجات فلاحتها.

أرض من ذهب

عاش الناس هناك نكرة، نعموا بهدوء المكان، وخضرت وخضرواته،شربوا من نبعه، واقتاتوا بلحه وتموره، ومند نهاية تسعينيات القرن الماضي، حلت شركة ” أقَّا كَولدمنين ” لمناجم الذهب، شاع بين السكان أنهم يتحركون ويأكلون فوق أرض بساطها اخضر، وجوفها اصفر يوزن بالذهب، عمت الفرحة أهل المكان، لما سيخلق هذا “الكنز الطبيعي الخام” من رغد العيش، استبشر الناس خيرا وانتظروا حلول السعد والهناء بقدوم شركة انتظروا منها تشغيل شبابهم وتهيئة طرقهم، وتزويدهم بالكهرباء وتقريب المرافق والخدمات العمومية منهم، ونماء مالية جماعتهم، انتظروا ان يكونوا مثل أمراء النفط بالخليج، تحولت غليها الأنظار، فزارها مسؤولون، وعممت الكهرباء بين أطرافها.

احتضنوا الزائر الجديد في وقت بدأت الطبيعة تشح بخيراتها، وصادف ذلك شروع المنجم في استخراج الذهب، لم يشغل كل ابناء القبيلة كما تمنى السكان، بل شرع في جلب ” المعارف ” من خارج القبيلة، لانعدم ثقة القائمين عليه في اليد العاملة المحلية، كما يشرح أهل المكان، إلى جانب اعتماده على كفاءات من خارج البلدة، وصادف ذلك بروز سنوات عطش تجلت انعكاساتها السلبية على مراعي الماشية وينابيع الماء، وشح المنتوجات الزراعية عما كانت عليه قبل مجيء الشركة وافتتاح المنجم، خاصة أن نشاط المنجم يعتمد على استعمال الماء بشكل يصفه الغاضبون بالمفرط حد استنزاف الثروة المائية للمنطقة.

إينليوى تنتفض

صبيب الينابيع الجبلية الطبيعية شرع في الضمور على غير العادة، فخرج سكان بلدة “إنليوى” أطفالا وشبابا ونساء وشيوخا لتدشين وقفات احتجاجية دقت ناقوس الخطر، جاء المعمل بطبقة عاملة وأدخل ثقافة الاحتجاج بين الناس، بعدما كانوا يكتقون برفع أكف الضراعة لله ليأخذ حقهم من القائد أو رئيس الجماعة، أأومن كل من يعتبرون استبد وجار. وصل تمردهم حد الانبطاح بالطريق الذي تسلكه شاحنات الشركة معترضين طريقها ببوابة المنجم.

بعد غضبة إنليوى، كان لهم ما أرادو زودهم منجم أقاق كولدمينين بالماء الشروب، كما يؤكد الفاعل الجمعوي عمر أيت أوكرام تكونت جمعية لتدبيره استغلاله إلى يومنا هذا تتلقى الماء الشروب مجانا وتوزعه بثمن رمزي لا يتجاوز درهعما واحد للطن، كما دخل المنجم معه في شراكات وأعمال اجتماعية، تهم المرأة والطفل، من بينها مشروع تربية العنزات ذات الفصيلة المنتجة للحوم والحليب، وفتح المنجم رهن باب التخييم الصيفي مجانا رهن إشارة كل أبنائهم بدون استثناء مع تشغيل مجموعة منهم.

تمكن منجم الذهب من المصالحة مع ” إنليوي” كما يؤكد عمر أي أوكرام رئيس جمعيتين بها، وهي اليوم متحسرة لما تشاهده يقع فوق الارض لا تصدق أن الذهب ذهب إلى غير رجعة، فالمنجم بحسبهم غير ملامح المنطقة وأحدث تحولا اقتصاديا جذريا، وحمل المسؤولية للمكتب المحلي للكنفدرالية، أمر لا يوفق عليه سليمان الكاتب العام للمكت النقابي، ويؤكد أن العامل ضمن كرامته، وحقوقه مند تشكيل المكتب فأخرج المستخدمين من العبودية ليشعروا أنهم طاقات من حقها ان تستفيد من حقوقها، عبد لارحيم بلمين من المجلس الجماعي لأفلا إغير يرى أن المنجم لم يساهد جدريا في التغيير الذي تنشده الساكنة من خلال الحقوق التي تتوصل بها الجماعة ولا تتجاوز 11 مليون سنتيم، مع ذلك فإنه ساهم في إعمار المنطقة.

العطش يصل تازونت

تماينوت العين الناظرة، شرعت ت في النضوب مند 2004 ، عاشت بين الناس مند عهد السعديين فماتت، موتها اوجع القلوب،فتحركت البلدة لإنقاذها، المتهم الوحيد فيما آلت إليه بحسب بلدة تازونت، هو منجم الذهب، كل من يحيط بها يستبعد المعطيات البيئة والمناخية الكونية.

من ” إنليوى” حل العطش ببلدة تازونت المجاورة حسب أحد أبنائها المتتبع لشؤونها، “بدأ صبيب تاماينوت ينقص ويتجه نحو النضوب وأحست الساكنة بتقلص وتراجع حقينة الصهريج الكبير الذي تُحفظ فيه مياه العين ليلا وتخزن لتصريفها وتوزيعها نهارا. بعد ثلاث سنوات من الاحتضار، جفت العين، وتوقفت سنة 2007 عن مدهم بمائها، وكانت في السابق عجزت عن تحريك رحى حيمي. يقول أهل تازونت إن توقف النبع تزامن مع قيام شركة “أقَّا كَولدمنين” بسحب المياه من الخزان الجوفي الموجود بالمنطقة المعروفة بأزكَيغ، وهي منطقة لا تبعد كثيرا عن منبع هذا العين، حيث قامت بحفر وإجراء خمسةأثقاب مائية . بدأت الشكايات تصل إلى عامل إقليم تيزنيت وصار الأهل أمام المصير المحتوم،وشرع الشباب الذين لم يشغلهم المنجم، ليحضنهم بحرارة ذهبه، ودفء نحاسه في الهجرة.

من بقي ساهم في تأسيس “جمعية تازونت للدفاع عن الحقوق التاريخية المائية” فوضوها أمر نمثيليهم أمام الدوائر الرسمية والمدنية فيما يخص قضية المياه. وطالبوا بالتوقف عن استغلال ” اثقاب ” أزكيغ” المائية” في محاولة لضخ الحياة في ”جسد تماينوت”

لحظة حزن، وصلاة جنازة

كان الفقدان كبيرا والخطب عظيما، فدخلت تازونت في اعتصام يومي أمام بوابة منجم الذهب يتهمونه بإقبار آمالهم والحكم عليهم، أمام بوابته الضخمة ” انتظموا صفوفا واقاموا يوم الجمعة وأدو صلاة الجمعة، وأتبعوها صلاة الجنازة، على تماينوت، وعند حلول عامل إقليم تيزنيت رفضوا الحديث إليه ” صافي آ السيد العامل، انهينا راه صلينا الجنازة على هذا المنطقة” .

رفض الجميع الحوار إليه أو مجالسته ثم بدأت الشعارات الغاضبة، والشعارات المنددة بالمنجم. توقف العامل في لحظة ليترك الأشكال الاحتجاجية تتواصل ” لا ذهب لا فضة…… العين ديالنا ولا بد “، وشعار “جماعة أفلا إغير…. مشاركة في التزوير والتدمير “. بحماسة جياشة تناوب على ساحة الاحتجاج الشعراء العفوييين ” أنظام ” ارتجلوا قصائد عفوية تنتقد منجما للذهب حول ماء واحتهم إلى مصنعه فأصبحت واحتهم الخضراء أرضا قاحلة.

من بين من لفت انتباه العامل “زكية أنوفلى” سيدة عصامية في حوالي الخمسة والأربعين من العمر، تقود تمرد نساء توزونت، شاعرة منطقتها العفوية رغم أنها لم تتمدرس، نظمت القصائد الغاضبة في وجه العامل بلحافها وهندامها الأسود،. ظل المسؤول الأول يتابع باهتمام ويستفسر عن مضمون قصائدها. قبل أن يشرع في التسلل إلى قلوبهم.

قال لهم “إنني أشعر بما تعانون منه، وهي مسؤولية قديمة وجدتها قائمة عند تعييني على رأس الإقليم من طرف جلالة الملك، وأنا الآن هنا لأحل كل المشاكل وأعدكم أن تازونت ستعود جنة كما ألفتموها، لقاء يستهوي صناع الأفلام، ساعدت الطبيعة على رسم تفاصيله بعاصفة رملية، ورياح قارسة تلتها أمطار رعدية تذوقها إدريس بنعدو وهو يعقد لأول مرة مفاوضات فوق حصير الحوار وليس مائدة الحوار.

كبر سن أحد الشيبوخ، وإباء الرجولة الذي تتسلح به المنطقة لم يمنعه من درف الدموع،عند قبول اأن يجالسهم عامل الإقليم، لحظة عصيبة ومؤثرة لن ينساها هذا المسؤول في مساره المهني. تناول الكلمة أحد شيوخ المنطقة منهم المسن إبراهيم بوحماد الذي غالبته الدموع، من جديد وهو يحكي للمسؤولين عن نكبة المنطقة. دخل محمد في لحظة بكاء ونحيب متواصلة لم يتمكن جراءها من متابعة الحديث، حرارة اللقاء أنست الجموع برودة الطقس وما يرافقها من أمطار، قبل أن يأخذ الكلمة محمد أيت مسعود مسن في حوالي الأربعة والستين من العمر، روى كيف كانت المنطقة خضراء يانعة تجري مياهها وتدير طواحين الحبوب، مكتفية بما تجود عليها الأرض من نعم، فجاء المنجم، وبدأت المرض يتسلل إلى تماينوت مند 2004.

عادت المياه، ولم تعد تامينوت

بعد تليين قلوب المعتصمين، استدعى العامل على عجل مسؤولي الشركة وجميع المصالح الخارجية لتزنيت، فكان خطاب الصراحة والوضوح.

تمكن العامل من التسلل إلى قلوب الناس واقتسم معهم وجبة غذاء قوامها براد شاي، وصحن صغير ملأت قعره صفرة ” زيت العود” وإناء آخر بنفس الحجم شارف على الامتلاء بزيتون أسود مصبر، مع رغيف البيت. انتهت المفاوضات بالتفاهم، وفوق نفس الحصير أدى الجميع صلاة العصر بحضور ممثل جلالة الملك، وكان لها كعما خاصا محا بعض آلام صلاة الجنازة.

يمارؤس هذا المسؤول مهامه اليوم بشمال المملكة، تحققت بعض أحلامه بهذا الربع الجنوبي ، فقد عاد الماء إلى واحات تازونت، وشرع في سقي أراضيها، ونخيلها، فشركة المناجم زودت الفلاحين بماء السقي وفق الاتفاقات التي تلت الغضب، فضلت أن تتحمل هذه المسؤولية على أن توقف أثقاب منطقة أزكيغ، كما عاد الماء إلى المرج، وسال بعض الحليب من الضرع، وأطل بعض الزرع برؤوسه، لكن لا عودة لمن صلى الناس عايه صلاة الجنازة، لا يمكن لا للمنجم ولا للعامل أو لغيره أن يبعث الحياة في قلب تامينوت، ماتت إلى الابد ولم تفلح فكرة ضخها بمياه جوفية لتحيى حياة اصطناعية، راحت إلى دار البقاء، وصدق القول أن البكاء ” من وراء الميت خسارة” كما صدق صوت الدكالي ” كلشي راح مع الزمان كلشي صار في خبر كان”.

ذهب الذهب وبقي النحاس

الاقدار الماكرة جعلت الموت يختار يوم الجمعة، في الجمعة 21 يناير من سنة 2011 أقام أهل توزونت على تماينوت صلاة الجنازة، صلى الجمع على تماينوت، امام باب المنجم، وفي يوم الجمعة تاسع ماي الجاري، وقع عامل تيزنيت على نهاية منجم الذهب، وقع شهادة وفاته بالعمالة بحضور الشركة، وممثلي العمال، ومندوبية الشغل ومصالح وزارة الطاقة والمعادن.

بقرار تم تخفيض العمال من حوالي الف ليصبح عددهم لا يتجاوز 350 فردا يشستغلون بمنجم النحاس، فهل سيقع للمنجم ما وقع لتماينوت، هل ستصح مقولة “باش تقتل باش تموت أملك الموت” هي اللازمة؟ عمر ايت أوكرام لا يصدق ذلك، ويؤكد أن منجم الذهب سيعود وسيرجع العمال غلى مكانهم، إنها مسالة وقتن يضيف، فهل أمانيه لا تختلف عن تلك التي تشبث بها حيمي إلى آخر نفس؟

‘ادريس النجار_ محمد بوطعام
الأحداث المغربية