تعتبر قبيلة “أولاد جرار” المتواجدة بإقليم “تيزنيت” نموذجا حيا لتعايش مجموعة من الروافدالثقافية، فقد استطاعت بحكم موقعها الاستراتيجي أن تحتضن الرافد العربي والرافد الأمازيغي والحساني الصحراوي في تمازج ثقافي وحضاري راق.

وكما هو معروف، فلكل قبيلة موروثها الثقافي وأعرافها وتقاليدها، وسنحاول في هذا المقال أن نصف طقسا من طقوس العبور، ألا وهو “الزواج”، لنحاول الإحاطة بتفاصيل حفل الزفاف التقليدي بقبيلة “أولاد جرار”، وبالتحديد منطقة “الرگادة”.

شروط الزواج

لقد خلق الله الذكر والأنثى وجعل الزواج سنة من سنن الحياة، والنواة الأولى لبناء الأسرة ومن ثم المجتمع. فالزواج هو مرحلة عبور من حياة العزوبية إلى مرحلة الارتباط، حيث تتجسد مظاهر الرشد والمسؤولية. لكن الارتباط  في الثقافة المغربية لا يتم بدون طقوس ومراسيم. عندما يقرر الرجل “الجراري” الدخول إلى “القفص الذهبي” تتدخل أسرته لتبحث له عن عروس بمواصفات معينة، وعندما يتم الاختيار تقام “الخطبة” والتي لا تدوم عادة لفترة طويلة، ليتفق الطرفان على مستلزمات وشروط الزواج.

التْنْگْيَة

بعد “الخطبة” تدعو أم العريس جاراتها إلى بيتها، وتقوم كل امرأة بإحضار كمية من القمح أو الشعير، يضعنه في بهو أو ساحة وسط المنزل، ويجلسن حوله على شكل دائرة، ثم يقمن بتنقيته من الحصى والأعواد الصغيرة. وتسمى هذه العملية (التْنْگْيَة)، ويصاحبونها بأهازيج وأغاني.

الشْوَارْجْ

وبعد الانتهاء من تنقية الزرع تقوم إحدى النسوة بوضع تلك الشوائب في (الطْبَگْ) وهو طبق كبير مصنوع من سعف النخيل، وتضع وسطه “دملجا” من الفضة، وتحمله فوق رأسها وتذهب برفقة باقي النسوة إلى (الشْوَارْجْ) وهو صهريج صغير تنبع مياهه من “عين الرگادة”. ثم ترمي في مياهه محتويات الطبق، وتقوم بالمناداة على طفل من أطفال المنطقة وتعطيه بعض النقود ليقوم بالسباحة ويعيد لها الدملج. وعندما تنجز المهمة بنجاح تحمل صاحبة الدملج دملجها وتعود النسوة من حيث أتين. ليجدن أُمَّ العريس قد قامت بإعداد عصيدة من دقيق الذرة بزيت الزيتون والعسل، ثم يتناولن الوجبة ويقمن بالغناء والرقص إلى أن يحل الظلام.

التْزَگِّيرْ

وفي الغد تقوم العروس بدعوة صديقاتها وجاراتها لبيت أهلها من أجل حضور “حفلة الحناء” التي تتخللها مظاهر احتفالية، وتقوم إحدى الفتيات المختصات في النقش بالحناء بتحنية يَدَيْ وَقَدَمَي العروس.

وفي نفس اليوم يقوم العريس بتقديم خاتم الزواج لزوجته، ويشترط أهل العروس على العريس إحضار الزيت والسكر والدقيق، بالإضافة إلى الذبيحة والتي تكون عبارة عن بقرة أو عجل أو كبش، ويتم كذلك الاتفاق على قيمة الصداق أو المهر، ليقوم (العدول) بكتابة عقد الزواج وتوثيقه، ويصطلح على هذه العملية باللهجة الجرارية (التْزَگِّيرْ).

موكب العروس

وفي نفس ذلك اليوم، تجتمع النسوة من الأهل والجيران في بيت العريس، ليقمن بالذهاب لإحضار العروس لبيت زوجها، محملين بملابس بيضاء اللون لترتديها العروس قبل الخروج من بيت أهلها، بالإضافة إلى “بلغة رجالية” و”شربيل” يعطيان لأم العروس كي تهديهما لمن أرادت. ولا ننسى “الحناء” التي تشكل عنصرا رئيسا في مثل هذه المناسبات.

وعند وصول النسوة لبيت أهل العروس، يقمن هناك بتناول وجبة العشاء، ويرافقن بعده العروس إلى بيت زوجها حاملة معها حقيبة تحتوي على ملابسها بالإضافة إلى “حصيرة” أو “زربية”. وتصاحب موكب العروس احتفالات وأهازيج وزغاريد.

الحْبَقْ وليلة الدخلة

عند اقتراب وصول الزوجة يصعد العريس الذي يرتدي جلبابا أبيض اللون  مرفوقا بوزيره إلى سطح المنزل حاملا معه التمر وقطع الحلوى وإناء من الحليب.

وعند وصول زوجته التي ترتدي ملابس بيضاء وتغطي وجهها وتضع على رأسها بعضا من نبات “الحبق”؛ يقوم بإلقاء التمر وقطع الحلوى على الحاضرين.

ثم يقوم بإنزال إناء الحليب عن طريق حبل متدل من السطح، وعندما تشرب العروس من ذلك الحليب، تقوم إحدى النسوة بإعطائها إناء فيه قليل من “السمن” لتطلي به عتبة الباب، وتدخل بعد ذلك إلى المنزل  بقدمها اليمنى، لتصبح بذلك “ليلة الدخلة” أول ليلة لها في بيتها الجديد.

وفي صباح اليوم التالي، تقوم أم العروس بإرسال وجبة الفطور إلى ابنتها، وتكون في العادة عبارة عن “صحن من الأرز بالزبدة والعسل”، وفي نفس اليوم تأتي عائلة العروس لزيارة ابنتهم محملين بالهدايا التي قدمت لهم من طرف حاضري الزفاف، ويقومون بالاحتفال والرقص والغناء.

بعد الليلة .. الرْزِيفْ

في اليوم السابع بعد “ليلة الدخلة”، يحضر أهل العروس مجددا للاطمئنان على ابنتهم، وتقوم أم العروس بِكنس غرفة نوم ابنتها لأول مرة بعد دخولها تلك الغرفة، وتضع ما قامت بكنسه في حجر ابنتها، وتأمرها برميه في حظيرة البهائم أو خارج المنزل تفاؤلا بإنجاب الأطفال. وبعد أسبوعين يقوم العريس رفقة زوجته ووالديه بزيارة أصهاره وتسمى هذه العادة (الرْزِيفْ).

هذه بعض من ملامح طقس الزواج بـ”أولاد جرار” في الماضي القريب، إلا أن هذه العادات والتقاليد والأعراف بدأت مع الأسف بالتلاشي، فنادرون هم الناس الذين لا يزالون يحتفظون بهكذا تقاليد، بل منهم من لا يقوم أصلا بحفل الزفاف، ويُرْجِعُ ذلك لأسباب مادية بالأساس، الشيء الذي يهدد التراث اللامادي بالاندثار، لذا يتحتم علينا نحن أبناء المنطقة أن نقوم على الأقل بتوثيق هذا التراث لتتمكن الأجيال الصاعدة من الاطلاع عليه.

بتصرف – يونس السعيدي