تيزنيت 37 – ابراهيم أبوري

يمكن ، عن حق بلا باطل، اعتبار مكتبة الشيخ ماء العينين الكائنة بشارع فوق الوادي (إكي واسيف) بمدينة تيزنيت، يمكن اعتبارها معلمة ثقافية متميزة بكل المقاييس المتعارف عليها وطنيا ودوليا في أبجديات الإشعاع والتواصل الثقافيين، وبالتالي فهي منطقيا مفخرة عملاقة مرتكبة في حق جميع الفئات العمرية من سكان مدينة صغيرة صغر اهتمامهم بنشاط القراءة تئن تحت أبابيل منطقة أمازيغية تنتمي، بقوة الانتقاء الثقافي وجغرافية البؤس، إلى المغرب المنسي الموروث من المقيم العام الفرنسي الجنرال ليوطي…

كما ان هذه المؤسسة الثقافية تشكل موقعا لا يمكن أن يحيد  عنه من زوار المدينة إلا من هو في خصام مزمن ونهائي مع ثقافة الكتاب، خاصة وأن المدينة، ومنذ سنة 1975، أصبحت نقطة وصل بين مغرب ما بعد الاستقلال غير الثقافي وصحراءه المسترجعة.

-u(er

ما أن تحملك قدماك إلى الشارع المذكور حتى تفاجأ بباب أزرق في غاية البساطة، لاشيء منه ينبئ بوجود مكتبة من العيار الثقيل. وما لذهولك إلا أن يستفحل عندما تتجاوز عتبة الباب الحديدي الأزرق، لتجد نفسك ـ خاصة عيناك في الوهلة الأولى ـ أمام مدخل متوازنان رفاه الزاخران بكتب قيمة ومغلفة بالبلاستيك تذكر المواطن المحلي أو الجهوي بواجهات المكتبات الراقية والمثيرة لرغبات السياح والمنقرضة بعاصمة سوس: أكادير.

في نهاية رواق المدخل، وعلى اليمين، مكتب استقبال يتناوب عليه شاب وشابة في غاية اللطف و الجاهزية والاحترافية، وهذه الأخيرة هي أهم شيء في مدينة أقسمت أن تبقى هاوية في كل شيء، وما بالك بالثقافة التي تبقى القريب المسكين(Le parent pauvre)  على المستوى الوطني…

lib

أما عندما تتحرر من قبضة البهو الفاتنة والغاوية، فستجد نفسك في ما هو أشد: فضاء سفلي شاسع من الرفوف الكتبية، حيث الكتب منظمة بعناية حسب التخصصات والمجالات: كتب الأطفال، العلوم الحقة، العلوم إنسانية، أدب، معاجم، مقررات دراسية، كتب الطبخ…كوكتيل جميل من الينابيع المعرفية تجعلك تحت سلطة الرغبة العارمة في القراءة، خاصة وأن الجو العام المخيم على الفضاء يوحي للمرء أنه لا يوجد في مقاولة تجري وراء الربح ـ ولو أن هذا الأخير مشروع شرعية الحق/الواجب في التثقيف والوصول إلى المعرفة بجميع أنواعها وروافدها ـ بل في جو ودي وحميمي كما لو أنك تحت سقف نادي أو عائلة.

ولعل ما يزيد من هذا الشعور الجميل و”الغريب” هو العنصر الإنساني المهيمن عند الطاقم الذي يخدمك خدمة الأسياد الغابرين، خاصة رب المؤسسة القابع دوما وراء مكتب أنيق مجهز بمختلف الأدوات المكتبية من حاسوب وهاتف…و الذي ـ أي الرجل ـ يستقبلك بابتسامة بريئة أو طفولية تكاد لا تفارق محياه وكأنها تريد الجهر بالصفات القرنية والأصيلة للإنسان السوسي الحقيقي. جانب إنساني مدعم باحترافية كبيرة يبدو أنها محفزة ومدعمة بخلفية تحت عنوان: هم الثقافة في المغرب العميق. على أي هكذا بدا الرجل أول مرة حصل لي شرف التعرف عليه السنة الماضية بمناسبة صدور أحد كتبي. حينها تكلمنا بضع دقائق كانت كافية بالنسبة لي للوعي أن الرجل ليس من طينة غالبية أرباب المكتبات المغربية الذين سقطوا سهوا وجشعا في ميدان الثقافة  والكتب.

7e70ef78-52f1-4902-b460-715ffd73f23e

في الأسبوع الماضي تجدد اللقاء مرة أخرى ضمن سلسة من اللقاءات العابرة، وما أن سألت الرجل عن كتاب  (Meursault, contre-enquête) للكاتب الجزائري كمال داوود، حتى تأسف الرجل قبل أن يطلب مني رب المكتبة رقم هاتفي، واعدا إياي بطلبه.

ثلاثة أيام بعد ذلك تلقيت مكالمة هاتفية من الرجل يخبرني من خلالها ـ بنبرة حارة، ودية وغير تجارية… ـ أنه يمكن لي المرور للاقتناء الكتاب. وذلك ما حصل.

bloogggg

هذه هي مكتبة الشيخ ماء العينين: جوهرة ثقافية نادرة تشعرني بإحساسين متناقضين: من جهة هناك متعة صادقة تغمرني عندما أحس بوجودها غير بعيد عني وعن قراء المدينة التي شهدت إغلاق جل المكتبات لأسباب بديهية ومعروفة…مثلها كمثل القاعتين السينمائيتين التي لقيت المصير نفسه على غرار قاعات الفن السابع  ـ الأخير ضمن لائحة أشباه المثقفين الجدد ـ  عبر تراب المملكة.

من جهة أخرى، أشعر بخوف شديد من انقراضها من جراء ثقافة السندويتش بمختلف أطيافها…حينها لن تجد وزارة الثقافة المغربية مؤسسة مكتبية تمنح لها جائزة الجودة كما فعلت مع مكتبة الشيخ ماء العينين التي لا تروي بدموعها المعرفية إلا من له هم التنوير المضاد للجهل والتطرف والتخلف مثل رب المؤسسة.

وأدركت نفسي لأصوم عن الكلام المباح

ابراهيم أبوري