تيزنيت 37 – ابراهيم أبوري وَ ع. أكناو

“الموج الأزرق في عينيك يناديني نحو الأعماق” (نزار قباني)

هنا ساحة تدعى العين الزرقاء، نسبة إلى روايات كثيرة ومتعارضة أجمعت، رغم كل شيء، على اسم أنثوي هو للا زنينية، مؤسسة المكان والمدينة، لكن تلك قصة أخرى من القصص كتلك التي ترويها اللوحة التذكارية المعلقة قرب الباب الخشبي الموجود في الساحة المعنية بأمر هذه الكلمات.

العيم-الزرقا

أسطورة العين

يقول الدكتور أحمد بوزكو عن العين الزرقاء أنها تلك العين “المتدفقة” وسط البلدة. ويضيف الباحث في التاريخ والتراث أن الذاكرة الشعبية تحتفظ برواية عن شائعة بداية انبثاقها مفادها أن سيدة مغمورة داخل الجماعة كانت وراء اكتشاف العين بمحض الصدفة.

ويورد بومزكو أن هذا الحدث كان بداية تأسيس النواة الأولى لتجمع “آيت تيزنيت” بعد نزوح جماعات وافدة من مناطق مختلفة كوّنت في نهاية المطاف التجمعات المعروفة داخل البلدة وهي إيد ضلحة وإيد أكفا وإيدا ومكنون وإيدز كري وآيت محمد.

وأوضح المتحدث أن منبع العين الزرقاء تم ربطه بالمجال المسقي (تاركا) عبر خطارات كما شكل الموقع مجالا لممارسة بعض العادات خاصة طقس الزواج.

وتحكي الأسطورة أن العين انبثقت مع هذه المرأة الصالحة التي تدعى للا زنينية بعدما أنهكها العطش في سفرها وكانت رفقة كلبها الذي ركد برجله فسالت من تحتها مياه العين الزرقاء القلب النابض للمدينة آنذاك.

sb1 [800_600]

تفاصيل المكان

“العين الزرقاء” فضاء يحد من مجاله الحيوي الضيق أصلا، يحد منه حائط من تراب امغر (Ocre) قديم يتوسطه الباب الخشبي المتين والعملاق المقوسُ أعلاهُ، المزروع بمسامير سوداء ذات رؤوس مستديرة من جهة، وما تيسر من واجهات محلات سياحية تغازل العيون السائحة بإيحاءات تراثية مرتكزة على الثقافة الأمازيغية من متحف خصوصي بلافتة مكتوب عليها “ركن البربرCoin des berbères ” إلى محلات اختارت أن تكون مفتوحة على العين، من جهة أخرى.

في وسط الساحة ـ المرممة حديثا ـ حوضان مائيان، الأول نصف دائري على شكل حدوة ومبني بلبنات عارية تتراوح ألوانها بين البني المفتوح والرمادي فيما الأمغر تصلك إليه بعض الأدراج الحجرية التي تُجانبها ستة أبواب من جهة اليسار، والثاني يبدو عاديا( على شكل مستطيل يوحي بأحواض الأسماك اليابانية، يحاذي ساحة صغيرة حاملة لأشجار نخل تعد على رؤوس الأصابع.

13499986_1023837191019010_1817288951_o [800_600]

بعد الحوض الأزرق المتوسط ذاك، كوخان(Huttes)  مبنيان بأحجار بيضاء وبنية مفتوحة، على شكل الأفران البربرية التقليدية أو كـمخشبيات قبائل الإسكيمو(Esquimaux)، أجداد الأمازيغ حسب بعض الروايات التاريخية والإثنولوجية .. مباشرة، وفي الاتجاه نفسه، قطعة بستانية لافتة للنظر بوجود صبار مجلوب/براني(exotique)  يوحي بأفلام الغرب الأمريكي  (Westerns).

محجّ للصائمين ..

إن كتبت عليك أقدار الله، أنت المواطن المحلي  ابن المدينة أو الزائر العابر للسبيل رغبةَ في قتل وإبادة الوقت الرمضاني أو هربا من قيظ النهار، (إن كتبت عليك) أن تقودك قدماك، المثقلة بالآثار الجانبية لرمضان، شرقا إلى الحي المتواجد بين أسوار المدينة العتيقة .. فحتما ستكون لك فرصة المرور على ساحة محاطة بسورين مُسننين، ساحة منبسطة مستثنية ومنفلتة من داء البناء العشوائي المتكاثر مثل الفطريات.

IMG_20160616_161037 [800_600]

وقبلة للعاشقين

أما إن كانت لحجك إلى الساحة محفزات رمضانية ليلية كمن يريد التخلص من عواقب التغذية المبالغ فيه أو انتظار السحور أو “قتل” الوقت حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأود أو استدراك ما ضاع من حقوق المتعة، فتلك قضية أخرى، بل قضايا تجرفها أجنحة الليل الرمضاني الذي يختلط فيه الحابل بالنابل، الصالح والطالح في تلك الساحة التي أصبحت تحت رحمة أنوار كهربائية خافتة نابعة من مصابيح كاسية لبعض أماكن الحائط المطل على المسبح الراكدة مياهه والتي تبدو، بقوه انعكاس الأضواء، إلى اللون الأخضر.

جمالية الفضاء ـ بعناصره المختلفة ـ سرعان ما تنسلُّ من جراء الأمواج البشرية المجتاحة له من نساء شبه مكسيات باللباس الأمازيغي يصطحبنَ إما أطفالا بسراويل قصيرة في الأسفل وأفواه صارخة في الأعلى، وإما بشبان فحول في أناقة أصلية أو خرقاء للهجرة الليلية عبر التضاريس الخفية والمتوارية وراء الثوب الخفيف الذي لا يغني ولا يسمن من الجوع المتراكم خلال النهار الرمضاني.

13139133_1174624452570393_3056037455505224381_n [800_600]

ليل العين الزرقاء

ليل العين الزرقاء ليس كليل باقي أزقة وشوارع المدينة الهادئة، كما يحلو للبعض تسميتها، فهنا وهناك ـ ومن باب الحرب التي تشنها الثقافة الليلية على الطبيعة النهارية ـ سيارات ودراجات نارية ضائعة في الديكور، أرنة نشاز نابعة من هواتف بعيدة كل البعد عن الذكاء الإيكولوجي، تحرشات مجانية يمينا ويسارا كما لو أن المرء ينتقل من إرضاء شهوة البطن في الإفطار إلى إخماد شهوة سياحة ليلية.

13265832_10209847502321229_2734098769104340778_n [800_600]

مآربُ أخرى ..

العين الزرقاء ليست فقط محجّا للصائمين أو قبلة للعاشقين بل هي أيضا مزار تاريخي وموروث ثقافي يتداعى إليه طلبة العلم وتلاميذ المؤسسات الجامعية والتعليمية ليتعرفوا على تاريخ المدينة وأصل العين فضلا على أنها باتت، بعد ترميمها، مجالا وفضاء لتنظيم أنشطة احتفالية أو تقديم عروض أزياء تقليدية وعصرية أو تجسيد طقوس الزواج الأمازيغي المحلي .. بصيغة أخرى “كل الفنون اجتمعت هنا..”

ويرى الحسين أجدار، فاعل جمعوي بالمدينة، أن الفضاء وبعد أن ملَّ من وظيفته الطبيعية والتاريخية في مد البساتين المجاورة بالماء/ الحياة والمساهمة في دورة الإنتاج الفلاحي واستقرار الساكنة؛ فقد فكر في سر وجوده هنا رفقة قصبة أغناج والمدرسة العتيقة ليقرر أن يتحول إلى منتجع سياحي ترفيهي غير شكله التراثي .. ليتباهى أمام البناء العشوائي الذي يحاصره من كل الجهات فيجد صعوبة الإندماج في محيطه السوسيو ـ ثقافي.

11113791_10206474729644390_6592069443254074051_n

بعيداََ ..

هنا في العين الزرقاء يبدو استنطاق حوافز “حُجاجها” أشبه بسكب المياه في الرمال فالكل تجده غارقا في شاشات الهواتف الجالبة ربما لما لم تقدر العين على جلبه فلا يكون لك من أمر إلا أن تترك جمل الساحة بكل ما حمله بين حدبتي خبايا الشهر الكريم إذ لا أحد هنا يبالي ..