الأسواق الممتازة تحاصر البقالة السوسيين في باريس..

بعدما كانت محصورة في مداخل المدن، شنت الاسواق الممتازة الفرنسية هجمة شرسة، يتجلى هدفها، غير المعلن، في محاصرة محلات البقالة التي يمتلكها السوسيون في باريس منذ عقود… وهكذا فتحت الاسواق الممتازة عدة فروع داخل الاحياء السكنية، التي اعتاد سكانها التبضع من محلات البقالة.. وتقوم الاستراتيجية الجديدة للاسواق الممتازة الفرنسية، على فتح محلات صغيرة او متوسطة المساحة تفتح ابوابها في توقيت مبكر : اي من الساعة السابعة صباحا و تغلق ابوابها في الساعة العاشرة ليلا، بما في ذلك يوم الاحد صباحا.. وتعتمد الاسواق العصرية تسعيرة مثيرة حيث تقترح اثمنة جد منخفضة تتحدى كل منافسة من جانب البقالة…
الى جانب اقتحام الاحياء السكنية، تقوم استراتيجية شركات الاسواق الفرنسية على رفع اسعار اقتناء السلع بالجملة من طرف البقالة في سوق “ميترو”، مما يقلص هامش الربح بشكل كبير أمام هولاءالتجار، الذين يرسلون تحويلات مالية منتظمة الى ذويهم في منطقة شبه قاحلة تخلت عنها الدولة وتخلى عنها الله… يضاف الى ذلك ميل الفرنسيين الى عدم التبضع من محلات الأجانب خصوصا في الاونة الاخيرة بفعل تغلغل افكار اليمين المتطرف، حيث لا يقتنون من محلات البقالة سوى الاشياء الثقيلة التي يعجزون عن حملها الى منازلهم، اذ يتكلف مساعدو البقالة بايصال الطلبات الى البيت..

ومن بين الاغراءات التي يقدمها الفرنسيون لمحو محلات البقالة السوسيين من باريس، هي اغراء التجار بعروض مالية كبيرة لبيع محلاتهم، او تشغيل مسيري المحلات في الاسواق الممتازة، كوسيلة لجذب زبناء تجارة القرب، وهو اقتراح لن ينال القبول لدى السوسيين ما داموا في كامل قواهم العقلية…

يبدو ان الفرنسيين لم يفهموا بعد عقلية السوسيين، الذين قدموا الى فرنسا منذ اواخر القرن التاسع عشر، على متن البواخر عبر وهران الجزاءرية، وكانوا يسمون “اكضاض وهران” اي(طيور وهران) واشتغلوا في الاشغال التي عافها الفرنسيون: حفر “ميترو” الانفاق، مناجم الشمال الفرنسي، مصانع السيارات… السوسيون لن يقبلوا ابدا ان يتحولوا من ملاك الى اجراء لدى الغير..

مناورات للبقاء:
لتجاوز خطط شركات الاسواق الفرنسية اعتمد البقالة السوسيون مناورات للالتفاف على هجوم الاسواق الممتازة، حيث غيروا توقيت العمل وصاروا يفتحون محلاتهم من فترة تبتدئ من بعد الزوال الى غاية الساعة الخامسة صباحا، ويقدمون المشروبات الكحولية للزبناء الى غاية منتصف الليل وبعضهم يستمر في تقديم نفس الخدمة الى غاية الساعة الثانية صباحا… كما يستغل البقالة السوسيون فترة التخفيضات لاقتناء كميات هاءلة من السلع من الاسواق الممتازة ويعيدون بيعها في محلاتهم مقابل هامش ربح محترم..

هجوم الاسواق الممتازة جعل مداخيل البقالة السوسيين تتراجع في السنوات الاخيرة، ما دفع بعضهم الي تغيير نوع النشاط التجاري من البقالة الى المطعمة وغيرها.. رغم ان تغيير النشاط يصطدم بعراقيل كثيرة لدى بلدية باريس..

يقول بقال سوسي ان مداخيل محله تراجعت كثيرا بعد اقتحام الاسواق الكبرى للاحياء السكنية، فبعد ان كان المحل يشغل ثمانية أشخاص ويحقق ربح يومي لا يقل عن ألفي يورو يوميا، أصبح المحل الان لا يشغل سوى شخصين… ويضيف التاجر التزنيتي الذي قضى عقود بفرنسا، ان محاولته تغيير النشاط الممارس بالمحل اصطدم برفض مصالح بلدية باريس، مما يجعل وضعية البقال السوسي، الذي يعيل عاءلات ممتدة في “تمازيرت”، تسير من سيء الى أسوء…

ابراهيم وزيد