عبد الله غازي (برلماني ورئيس المجلس الإقليمي لتيزنيت)

إزاء ترحيل المهاجرين الأفارقة من طنجة نحو الجنوب …أريد تفسيراً واحداً لأفهم: لماذا نحو سوس وتيزنيت تحديداً؟

رغم الحرج المصاحب لتناول هذا الموضوع نظراً لبعده الحقوقي و الإنساني، لا يسع المرء إلا أن يستغرب لغياب أي تفسير لما تقدم عليه السلطات بالترحيل الممنهج لعشرات من إخواننا الأفارقة جنوب الصحراء من مدن شمال المملكة نحو منطقة سوس ، خاصة أكادير وتيزنيت!..

موجب الإستغراب مرتبط بالدرجة الأولى بدواعي الترحيل كإجراء ولكن بالخصوص بماهية الدواعي التي جعلت وجهة هذا الترحيل هي سوس وتيزنيت بالتحديد؟

الدواعي الجيولوجستيكية لا يمكنها البتّة تفسير هذا الإختيار لأن تيزنيت تبعد عن السواحل المتوسطية بمئات الكلمترات، تماماً كما مدن أخرى بجنوب وشرق وغرب المملكة كان بالإمكان أن تُرَحل إليها أعداد من هؤلاء..كما أن تموقع تيزنيت على بعد كلمترات معدودة من المحيط الأطلسي وشواطئه المقابلة لجزر الكناري يجعل تأمين و إبعاد المرحلين من شبكات التهجير السري غير محقق خاصة وأنه منذ أيام تم على ما يبدو تسجيل محاولات لركوب المطاط نقطة انطلاقها في سواحل ميراللفت!

الطابع الممنهج لعملية الترحيل نحو وجهة معينة ومتكررة هو موجب القلق! خاصة حين يتعلق الأمر بمدينة لاهي كسموپوليتية تيسر انصهار الوافدين بيسر ولا هي حدودية تكون محطة وسيطة قبل الترحيل خارج الحدود..

يُجهد المرء نفسه فلا يجد أي مبرر منطقي لهذا القرار ..اللهم إن تفتّقت عبقرية أصحاب هذا الخيار و استحضرت مستويات سوسيولوجية و قيمية بكون أهالي سوس وتيزنيت بالخصوص أكثر المغاربة انفتاحا و تقبلاً للآخر و ارتباط ذلك بالكرم والتسامح والإيثار..وهي لعَمري قيم وخصال تدعو للإعتزاز و شرف ندّعيه .

فليكُن !..غير أن المذموم هو أن يكون الداعي إلى توشيح تيزنيت بهذه الحظوة هو ذلك المعتقد الغير البريء بكون أهاليها بما فيهم فعالياتها سيستقبلون هذا الخيار بغير قليل من الإدعان وأن تيزنيت وسوس هو مجال الهامش صفر من ممانعة أي إجراء مهما أجحف و قسى!

قيل ذلك للسيد رئيس الحكومة منذ أيام في لقاء أكادير ونعيدها بكل هدوء: لقد سئم سوس و أهله من المسايرة بغير عناد لدرجة الخضوع والإنصياع اللامشروط..الصبر والحكمة والتعقل نعم ودوماً ، أما افتراض الهامش صفر من روح الإستنكار و الممانعة والإعتراض فقد أضحى قاب قوسين من الإحتقار و سبّة في جبين سوس و وصمة عار على فعالياته المتماهية “حكمةً ونضجاً ” !!!

لا مناص من تفسير صادر عن المؤسسات، عن القطاع المكلف بالهجرة وعن وزارة الداخلية التي وجهنا لوزيرها سؤالاً كتابيا في الموضوع منذ ثلاثة أسابيع..نشاطر وجهة نظر الحكومة التي صرح الناطق الرسمي باسمها يوم الخميس الماضي أن إنشاء مراكز استقبال هؤلاء المهاجرين بإيعاز من الإتحاد الأوربي هو مجرد” تصدير للمشكل وليس حلا له” ..كذلك نقول للحكومة أن ترحيلهم الغير المفهوم نحو تيزنيت تصدير لأزمة نحو مجالات هشة لها معاناتها القائمة ولا طاقة لها بتدبر مزيد من التحملات إلا ما كان منها قائما على عدالة و منطق.

إن كان الترحيل و اختيار الوجهة عفوياً (حيث استنفدت الحافلة مثلا حمولتها من الوقود!) أو كان نزوح إخواننا المهاجرين إرادياً نحو منطقتنا ، فما كان للإشكال أن يُطرح. أما وأن في الأمر تدبير ، فهذا يستوجب الإستيضاج !..لو كانت قدرات تحمُّل المجال تسمح، لهان الأمر..أما و المدينة تعاني الأمرين لمواجهة إشكالات من صميم همها اليومي(النظافة ، الباعة الجائلين، المشردين..)فاللهم ارحم ضعفنا !!!

أخيراً ، يجدر بنا التنبيه، أن عدم التواصل وتوضيح هذه الإستفهامات والتمادي في هذاالترحيل الممنهج والأحادي الوجهة، من شأنه أن يُضر بنفس القدر أو أكثر بهؤلاء المرحلين أنفسهم، لأن تكديسهم المبالغ فيه في فضاء حضري محدود الطاقة التحملية من شأنه أن يعمق الشرخ و يغدي التوترات والإختلالات بينهم وبين المجتمع المحلي ثم كذلك بينهم داخليا كمجموعات قادمة من بلدان مختلفة!