بات شهر رمضان الفضيل موعدا لكثير من العادات والتقاليد المجتمعية المنغرسة في عمق الواقع المغربي ، حيث تتخذ هذه التقاليد شكل طقوس دينية وعادات خاصة ،مما يجعل أجواء شهر الصيام ذات مظاهر مميزة ، سواء من الجانب الديني ، أو الاجتماعي ، أو في ما يتعلق بتحضير الأطعمة وغيرها.

وإذا كانت هذه التقاليد تختلف من منطقة لأخرى ، خاصة من الناحية الشكلية ، فهي على العموم تستمد مشروعيتها من روح الديانة الإسلامية السمحة ، سواء تعلق الأمر بالاحتفالات ، أو إحياء علاقات التواصل بين الأفراد والجماعات ، أو صلة الأرحام وغيرها.

9 Inch notebook Android laptop HDMI 860DH

ويعتبر الطقس الاحتفالي المعروف لدى الأسر الشعبية في مدينة تيزنيت ب “تاقصريت مولبروج” من بين العادات الاجتماعية والثقافية التي ترتبط بشهر رمضان في هذه المدينة منذ عدة عقود ، حيث توارثته الأجيال المتعاقبة على مر السنين.

ويقول الباحث في التراث اللامادي ، الاستاذ عبد الكريم شعوري، إن هذا الطقس الاحتفالي الرمضاني يتم إحياؤه ليلة السابع والعشرين من رمضان من طرف ساكنة الأحياء القديمة في مدينة تيزنيت ، وهو يشكل مناسبة للتواصل العائلي ، وصلة الرحم ، تمهيدا للاحتفال بعيد الفطر.

“وتاقصريت” ، كما يصفها الأستاذ شعوري ، هي عبارة عن طبق من الكسكس ، يتميز بطريقة تقديمه ومحتوياته ، حيث يكون الطبق محشوا بلحم من الدجاج “البلدي “، وتعلوه طبقات من القصب ، على شكل دبابيس ، تحمل كمية من الثمور من نوع بوفكوس ، إلى جانب البيض مسلوق.

وأضاف أن طبق “تاقصريت ، مولبروج ” تحمله العروس ، في سنتها الأولى من الزواج ، لمنزل أهلها يوم ليلة القدر ، وذلك تبركا بهذه المناسبة الدينية العظيمة.

ولاحظ أن هذا التقليد الشعبي ، الذي يحمل دلالات ثقافية واجتماعية ودينية ، أصبح في الوقت الراهن يندثر في أوساط المجتمع التيزنيتي ، خاصة خارج سور المدينة العتيقة . ولم يعد له وجود إلا لدى بعض الأسر الشعبية في عدد محدود من الأحياء بالمدينة العتيقة مثل ” أيت امحمد “، و”إدزكري”، و”إدطلحا”، و”إدا كفا”.

ومن جهته ، أوضح الاستاذ محمد إديحيا البولقتي، الفاعل الجمعوي المهتم بالتراث المحلي ، أنه عايش إبان عقد الخمسينيات من القرن الماضي ، وخلال جزء من الفترة التي تلته ، في مدينة تيزنيت مجموعة من العادات والتقاليد التي تصاحب الأجواء الرمضانية في الأحياء القديمة من المدينة.

وأوضح في هذا السياق أن عددا من الأسر كانت تستعد لشهر الصيام بإعداد حطب الوقود ، وتحضير ما يكفي من زيت الزيتون وزيت الأركان ، والثمور والبلح الناضج ، إضافة إلى الدقيق المسمى بالامازيغية “اكورن ايجان” ، وهو ما يعرف في أوساط أخرى ب “البندق”.

ويستعمل “أكرون ايجان” لإعداد أكلة دسمة ، غنية بالبروتينات والنشويات ، حيث تعرف هذه الوجبة الغذائية بكونها تساعد الصائم على مقاومة الجوع والعطش ، خاصة بالنسبة للفئات الاجتماعية التي تشتغل في المهن الشاقة مثل الاشغال الزراعية.

وأضاف الأستاذ البولقتي ، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء أن مدينة تيزنيت تشتهر ايضا خلال شهر رمضان بإعداد وجبة “المريس” ، التي هي عبارة عن دقيق يخلط مع اللبن أو الماء ، حيث تؤخذ كوجبة للسحور ، وهي وجبة شبيهة ب” الكوفيا ” المعروفة في المناطق الصحراوية المغربية.

والملاحظ أن العديد من العادات والتقاليد الرمضانية التي كانت سائدة في مدينة تيزنيت، خاصة لدى الأسر التقليدية من ساكنة أحياء المدينة العتيقة،بدأت تغيب شيئا فشيئا عن الوجود بفعل مظاهر التحديث المتواصلة التي تشهدها المدينة ، واتساع رقعهتا الجغرافية ، مما يستدعي من الباحثين والمهتمين بالتراث المادي واللامادي العمل من أجل بلورة تصور يحفظ هذا الجانب من الموروث الثقافي من النسيان.