قد يضطرُّ المرضى، في المستشفيات، إلى إجراء فحوص مختلفة، تشمل استخدام الإشعاع المؤين (الأشعة السينية أو أشعة غاما) لتقييم حالتهم الصحية. وستوفر هذه الفحوص صوراً تشخيصية تحتوي على المعلومات التشريحية التي يحتاجها الأطباء لصياغة التشخيص واتخاذ قرار بشأن علاج المريض. كما أن هناك حاجة أيضاً إلى قياسات الجرعات لرصد الأفراد الذين قد يتعرضون للإشعاع أثناء عملهم أو أفراد الجمهور. وفي مجال قياس جرعات الحماية من الإشعاع، لا تتسم متطلبات الدقة بنفس درجة الصرامة كما هو في مجال قياس الجرعات الطبية، غير أن التتبع الصحيح للقياسات بمستوى معين من عدم التيقن هو أيضاً عامل هام.

وكم من مرافق مريض تعرض بطريقة غير مباشرة للإشعاع لأن الجدران التي تفصل قاعات الأشعة والقاعات المحيطة بها ليست ذات سمك كافِِ يمنع مرورها، وكم من صاحب سيارة أجرة حمل بجانبه مريضا خرج لتوه بعد تناوله الأيود-131 (I-131) وكم من مريض أخذ أبناءه بالأحضان ونسبة إشعاع التيكنوسيوم 99 (Tc-99m) لم تنخفض بعد في جسمه.

ومن الطبيعي جدا، في الميدان الطبي والصحي أن تتعرض الأجهزة الطبية الإشعاعية للتلف أو العطب مما يهدد بالتسرب الإشعاعي أو عدم جودة الصور الإشعاعية الملتقطة وتأثيرها على عمليات التدخل العلاجي والطبي. غير أن مثل هاته الامور تتم مواكبنها من خلال عمليات المراقبة التي يقوم بها مركز (وكالة مستقلة) “أمسنور” (AMSSNUR) حيث كانت ،مؤخرا، في مهمة رقابية إلى المركز الاستشفائي الإقليمي الحسن الأول بتيزنيت ونصّ لجنتها الرقابية على اتخاذ مجموعة من التدابير لنجنب أية أضرار جانبية

  • ما هو الإشعاع المؤيَّن؟ الإشعاع المؤيَّن عبارة عن طاقة يمكن أن تكون على شكل ذرات غير مستقرة أو يمكن إنتاجها عبر الأجهزة، ويعبُر الإشعاع من مصدره في شكل موجات طاقة أو جزيئات نشطة

ولا يعتبر المرضى وحدهم معرّضين لهاته الجرعات من الإشعاعات، التي يكون مصدرها أجهزة التصوير الإشعاعي في المركبات الجراحية وأقسام التصوير بالأشعة في المراكز الاستشفائية، بل يعدُّ العاملون في هذه الأقسام أول المتعرضين لهذا الخطر غير أن الاختلاف بينهم وبين المرضى هو توفّرهم على ملابس للحماية منها بمعايير صحية عالية الجودة إلى جانب استخدام جهاز وقاية يقيس مقدار الأشعة التي يتعرض لها تقني الأشعة العامل وسط هذا الفضاء والمحيط الإشعاعي.

  • غياب سياسة زجرية لمراقبة مراكز الأشعة

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل كل العاملين في أقسام الأشعة يتوفرّون على أجهزة الوقاية التي تقيس جرعات الأشعة؟ وهل هناك اجراءات واقعية لحماية العاملين في الأجنحة المجاورة لهاته الأقسام؟ وهل تخضع أجهزة التصوير بالأشعة للمراقبة الدورية والصيانة وأيضا فعالية الأداء ووجود التدابير الوقائية اللازمة أثناء الفحص والتشخيص والعلاج؟ ثم هل يتم الالتزام من طرف الإدارة بالتدابير الواجب اتخاذها والموضى بها من طرف لجنة المراقبة سواء المستقلة أو التابعة لوزارة الصحة خاصة وأن هناك تشديدا في المراقبة على المصحات الخاصة؟

في هذا الصدد، يرى د. عبد الحميد مكاوي* (دكتوراه في الفيزياء النووية من جامعة محمد الخامس بالرباط l عضو الجمعية المغربية للحماية من الإشعاع I عضو جمعية المهندسين في الهندسة الذرية) أنه “عندما يذهب أحد مسرعا إلى الطبيب بعد حادثة من أجل فحص سلامة العظام، أو عندما يأخذ صورة لأسنانه عند الجراح المختص، أو عندما يستعمل المواد المشعة للتداوي من الأورام السرطانية، أو حتى عند الوقوف لبعض الوقت للمراقبة الأمنية عندما يمر بالسكانير في المطارات…، هي بلا شك وسيلة ناجعة لتشخيص بعض الأمراض ولمعرفة حالة الجسم، كما هو الحال في الكشف عن تدرن رئوي، أو نخر في سن، أو كسر في عظم، أو لاستكشاف جسم غريب داخل جسم الإنسان أو اكتشاف مواد محظور نقلها عبر الطائرة، فهذا كله يبدو عاديا جدا ومقبولا، ويدخل في إطار الروتين، غير أنه يعرض المستعملين للأشعة المؤينة (rayonnements ionisants).

هذه الأشعة التي لا تؤذي طالما لم نسرف في استعمالها وعملنا على تقنينها وضبط طرق التعامل معها. لكن وللأسف الشديد نلاحظ ضعف إن لم نقل غياب سياسة واضحة وزجرية لمراقبة مراكز الأشعة من لدن المركز الوطني للحماية من الأشعة (CNRP) والذي يتوفر على كفاءات عالية التكوين، وتابع لوزارة الصحة ببلادنا، للتعامل المهني مع هذه الظاهرة، فنجد مستشفياتنا ومصحاتنا لا تكترث لاستعمالها عن قصد أو عن غير قصد، فكم من مريض تعرض للإشعاع عدة مرات متتالية في فترة قصيرة، دون أن يسأل عن كميات الجرعات التي سبق أن تناولها.

وأطرح هنا مثالا بسيطا وملموسا حول عدد من المستشفيات العمومية وحتى الخاصة ببلادنا، حيث يتعرض المريض لجرعة من التيكنوسيوم بمناسبة استعمال الأشعة الوميضية، أو ما يسمى سانتيكرافي (scintigraphie).. أتعلمون أين يقضى المريض الثلاث ساعات في انتظار الفحص؟ سأجيبكم ببساطة: يقضيها بجانب الأصحاء والأطفال والحوامل بمقهى أو قاعات غير مراقبة بعين المكان. هذا ليس إلا مثالا واحدا، ولا يتعلق بمستشفى بعينيه، بل هو حالة تكاد تكون عامة بمستشفياتنا ومصحاتنا…

كثيرا ما رأينا تجاوزات خطيرة من الساهرين على أقسام الأشعة، فتدابير حماية الإنسان وبيئته من الآثار الضارة للإشعاع المؤين والمعروفة عالميا، يتجاهلها القائمون على هذه الأقسام المهمة والخطيرة في الوقت نفسه،

  • التأثيرات على الصحة

لما تتجاوز كمية الإشعاع الممتصة من قبل الجسم عتبة معينة (1 سيفر)، ينتج عنه اتلافا للأنسجة وللأعضاء حسب الجرعة، حيث يسبب هذا في احمرار وحروق في الجلد، ويؤدي إلى سقوط الشعر، وإلى أمراض أخرى،

إذا كانت الجرعة منخفضة أو أخدت على فترات متعددة، هناك احتمال كبير على أن الخلايا التالفة قادرة على إصلاح نفسها، ولكن إذا تكررت الجرعات العشوائية لفترة طويلة (effets stochastiques) قد يودي هذا إلى خلق تشوهات على مستوى الكروموزوم، ومع توالد الخلايا المشوهة ينتج عنه أمراض كالسرطان ولو بعد حين. والخطر أكبر عند الأطفال والمراهقين، وقد تؤدي كمية تتجاوز 0،1 سيفير إلى تلف في دماغ الجنين.