• تيزنيت 37

+ ذ. الطيب عمري

ملتمس موجه إلى رئيس الجماعة الحضرية لمدينة تيزنيت من اعداد الأستاذ الطيب عمري ، قصد إزالة اسم أغناج من المعلمة الجميلة التي شيدت على أنقاض القصبة المخزنية بوسط المدينة القديمة قرب العين الزرقاء المركب الثقافي وإطلاق اسم إحدى الشخصيات الوطنية المحلية أو الفنية أو أحد ضحايا أغناج محمد يحيي الحاحي .

وتتضمن هذه الورقة : مقدمة فالتعريف بأغناج وبعض جرائمه ثم ذكر الأدلة والمبررات القطعية الدامغة المعززة للملتمس كرسالة مولى سليمان بعزله وخطاب صاحب الجلالة وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة .

يعيش المغرب مند عقدين ، ظرفا جديدا أطلقت عليه عدة نعوت واوصاف مثل التناوب التوافقي ،الانتقال الديمقراطي ، العهد الجديد ،وعرف هذا السياق عملية إخصاب الحوار حول ذاكرة الماضي ،كما تقلصت في السنوات الأخيرة، مساحة المسكوت عنه بفضل التراجع النسبي لمنطقة المحرمات ، سواء بالنسبة لأحداث ما قبل الاستقلال أو ما بعدها ،ورغم ذلك من المفيد ان نشير بعجالة إلى جوانب الارتباك الذي عرفه حضور الماضي في الظرف الراهن فتغيير أسلوب التعامل مع الماضي على إطلاقه مؤشر بين مؤشرات ترسيخ الانتقال الديمقراطي وتعني هنا مستوى شيوع الوعي التاريخي ، ودرجة تراجع الذاكرة القائمة على سلطة القبيلة أو أسطورة الأصل ، لتحل محلها الهوية المغربية والمصير المشترك مع رفع الرقابة على التاريخ والذاكرة الجماعية وبما أن تيزنيت واحوازها تعرضت للتهميش والإقصاء وتشويه صورتها وموقعها الاعتباري ، كما عرفت انتهاكات جسيمة وكل أشكال العقاب الجماعي عبر مراحل تاريخية مختلفة حيت سعت جهات متعددة لطمس هذه الذاكرة ومحوها وتعويضها بأخرى ، رغم الحضور اليومي لرموزها ، وخاصة تشويه اسم المدينة ومحاولة تغييره ، واستمرار إطلاق أسماء طغاة ومستبدين وفاسدين ، وشموا الذاكرة الفردية والجماعية بالدم والنار ،على أماكن ومؤسسات عمومية مما يؤدي إلى تثبيط العزائم واستفزاز الذاكرة ،وعدم المصالحة مع هذه الفضاءات والمؤسسات .

ويمكن أن نعطي مثالا بأحد الظالمين الذي مازال يجثم بثقله على صدور ساكنة المدينة واحوازها ، ويخنق انفاسها كلما ذكر  او تم نبش الذاكرة المكلومة ،وهو المسمى أغناج محمد بن يحيا الحاحي .

كان مساعد الخليفة السلطان مولى سليمان على سوس ،عبد الملك بن بيهي الحاحي ،وهو من قبيلة إدا ويسارن الحاحية ،قال عنه أحد الأسرى الإنجليز الذي اشتراه أغناج من زعيم تازروالت بعد أن فك أسرهكان رجلا يناهز الستين من عمره ، ما يزال يفيض قوة وحيوية ،مشرق الوجه بلحية ناصعة البياض ، دمث الأخلاق ، مهدب الطباع ،بفصاحة لم نعهدها عند كل الدين هادفناهم في هذا البلد ”

قاد حملات عسكرية تحت اشراف عبد المالك بن بيهي قبل ان يرسل له السلطان مولي سليمان 1217/1802م ظهير تعيينه كخليفة له بسوس” ،وبعد انجلاء آثار المجاعة والوباء ، بعث السلطان جيشا لتعزيز نفود عامله محمد أغناج بهدف جمع الضرائب والثروات التي لم يبق لها وارث بعد هلاك اصحابها … ”

وفي سنة 1225/1810م نظم حركة إلى سوس الأقصى مع رئيسه عبد المالك بن بيهي تركت ذكرى سيئة للحاحيين في نفوس السوسيين تناقلتها الأجيال لما حدث فيها من تخريب وتشريد لهم حتى كادت أخباره تعد من الأساطير ، بسبب فضائعه ؛حيث قتل الكثير منهم وشرد وسجن آخرين ، خرب منازلهم ومخازنهم (إكودار )

وهلك حرثهم ونسلهم واستولى على أمتعتهم وأموالهم وسخرهم في أعماله التي لا تعد ولا تحصى حتى صار يطلق على هذه الأعمال الجماعية التي يقوم بها الناس مرغمين “بتيويزي أوغناج”

قال عنه الحاج بلعيد

أِدَا ءوُغناج إِموتْ  ، لْحوكُمنْس ءِتًوبْدَراغْ

فَلْنْدْ ءِكُودارْ خْلانِينْ ، أورْتْاجوُعَمرْنْ

تيلاسْ ءاغْ ءِسْمُون ءِيلمْ تَاضُوتْ

 اتخذ تيزنيت مركزا ومنطلقا لتثبيت سلطته (المخزن)على مجموع سوس ، وقام ببناء قصبة فيها ،وسط المدينة القديمة وعلى عينها المعروفة بالزرقاء ،للتحكم في الساكنة ،كما سخر الناس جميعا لمصلحته .

اضطلعت القصبة بدور تجميع القوات العسكرية التي كانت تستهدف اضعاف نفود إليغ ، كما استعملت كقاعدة لضبط الأمن محليا ، ولتأمين  وضمان حماية المرور إلى واد نون والصحراء. *

كتب احدهم عما قاساه أهل سوس ،وخاصة جنوب واد و لغاس (ماسة) من ظلم أغناج فقال ” قدر الله على بلاد ولتيتة الفتن العجيبة بكثرة أهوال القواد ، وهم عبد المالك بن بيهي ومحمد أغناج ” ولم يكتف القائد أغناج بأخذ الضرائب والزكوات والأعشار ،بل فرض مختلف السخرات على السكان لإدلالهم والحط من كرامتهم وكان يترك وراءه خرابا ودمارا ، فقد تعرضت جميع المنشآت الاقتصادية والاجتماعية التي وجدها في طريقه للنهب والسلب والتخريب ،كما هو الشأن للحصون التالية : أكادير مقورن لإداوكنضيف ، اكادير أوجاريف ، أكادير نتوككال ، اكادير نتزريت … *

قدم له أحد الفقهاء المشهورين نصحا سنة 1810 م قائلا له : ” اِقتصر على المطالب المخزنية بشيء يسير وبالثلث من زكاة الحبوب واستمل قبائل اشتوكة بالإحسان غير أن اعماله كلها كانت عكس ذلك .

كان اسمه يثير الهلع والخوف في نفوس السكان ، للأعمال الوحشية التي قام بها في سوس ، وقد دام نفوذه اكتر من خمسة عشر سنة حسب جوستنار* .

اضطهد يهود سوس الأقصى وسلب أموالهم بعد أن هجرهم إلى تارودانت بدء ا بيهود تنالت التي كان بها ملاح قديم جدا ،اختفى مند ذلك الوقت ،فيهود تازروالت ثم يهود أيت جرار ،لإضعاف اقتصاد المنطقة ، لأنهم كانوا عصب الاقتصاد ،فهم التجار والصناع ، فقام بابتزازهم والسيطرة على ممتلكاتهم بمبرر حمايتهم .*

واتهم زعيم تازروالت بادعاء الخلافة والإمارة فطلب من مولى سليمان مزيدا من المدد والعتاد العسكريين ، بالغ وهول من قوات خصمه ، لكي يسهل على نفسه المأمورية ، ويضمن دعم السلطان . فر الهاشم أمام القوة الغاشمة التي قادها إليه القائد أغناج ،* متجها نحو الصحراء ،هدم هذا الاخير اليغ واستولى على أموال الهاشم وثروته ، التي يضرب بها المثل في الغناء ،يقول عنها ابراهيم الماسي في اخباره ما يلي : ” كانت له اموال كثيرة وهائلة بحيث غدت قوافله التجارية تجوب البلاد ، فتصل إلى تِنْبوكتو وبلاد السودان والصحراء …” كل القرائن إذن ، تدل على أن ادعاه أغناج من أن الهاشم قام في سوس وأعلن الخلافة محض افتراء ،

تنمية ثروته ، وكان يعتني بإبله وحيواناته ، فيخدمها بنفسه ، ولا يمنعه ما قد يصيبه منها من أوساخ * حسب المختار السوسي. أشخص مثل هذا يسعى لتأسيس إمارة ؟ ويطمح في أن يكون سلطانا أو ملكا ؟.

لم يجد السلطان مولاي سليمان من حيلة إلا التهدئة والمصالحة وإعلان النوايا الحسنة اتجاه زعيم إليغ ، فعزل قائده محمد بن يحيا أغناج سنة 1822- 1236 ه ،لتطييب النفوس في سوس ، والحفاظ على استمرار مصالح المخزن المتمثلة في تدفق التجارة الإفريقية نحو الصويرة ،وكتب إلى الهاشم الإيليغي يسترضيه ويتبرأ من أعمال عامله في سوس محمد أغناج ، ومن شركائه في الجرائم ويفيد المختار السوسي بخبر عزل وسجن قائد آخر هو القائد محمد بن أحمد بن امبارك الدليمي بالصويرة إلى أن مات هناك *، كما أبعد القائد عبد المالك بن بيهي بعد أن أصيب بالعمى .

قال السلطان في رسالته إلى الهاشم زعيم تازروالت :” ولما عزلته عند سفري إلى مراكش ،وعلم بذلك وعرفه ،انتصب وشمر ديله للفساد والسفسطة ، وصار يدلس على المسلمين كعادته ، ويفتري على الله الكذب بدعوى تزوير الكتب الواردة عليه ، ترويجا لقصد الفساد ، وأكل أموال المسلمين ، ويعد ذلك غنيمة وفرصة  انتهزها خيب الله رجاءه وأخلى أرجاءه ، وبكل حال ، فاعلم رعاك الله ، اننا عزلناه عزلا كليا ورفعنا يده عن التصرف في شيء من أمور المسلمين… فالله لا يهدي كيد الخائنين ولا يصلح عمل المفسدين والسلام 11 رمضان 1236 / 1822 م …” انتهى كلام السلطان .

والمخلصين له ، وانتظروا الفرصة لتخريب قصبته ، والتعبير عن استيائهم واستنكارهم لجرائمه . قال سيدي ابراهيم الماسي في أخباره :” وبعد موت السلطان (مولاي سليمان) 1822 قام أهل تيزنيت وطردوا خليفته ، واجتمعوا حول القصبة كبيرهم وصغيرهم ، فقاموا بتخريبها عن آخرها ، ولم يتركوا فيها أي جهة وجمعوا أحجارها وأخشابها وأساطينها وأبوابها ، واستعملوا ذلك كله في بناء مسجد المدينة …”

بسبب هذه الجرائم وغيرها ، نلتمس من السيد رئيس المجلس الجماعي لمدينة تيزنيت وكل أعضائه المحترمين أن يلتئموا في دورة استثنائية لإسقاط إسم هذا المجرم الظالم من القصبة المخزنية بالمدينة العتيقة مع الإعتذار للساكنة على استمرار إطلاق اسم أغناج على هذا الفضاء الجميل ، الذي يشيء اليوم بالفرح والمتعة والإنتشاء والإبداع ، ومن حسن صدف التاريخ ان يتحول هذا الفضاء من رمز للطغيان والفساد والظلم ، إلى سجن في فترة الاحتلال وفي سنوات الجمر والرصاص ، ثم إلى فضاء للمصالحة والفرجة والاحتفال الجماعي في الزمن الراهن .

وذلك تطابقا مع رغبة جلالة الملك محمد السادس في إحدى خطبه حين قال: “سنظل حريصين على الطي النهائي لهذا الملف بتعزيز* التسوية العادلة غير القضائية ، وتضميد جراح الماضي وجبر الضرر بمقاربة شمولية جريئة ومتبصرة ، تعتمد الإنصاف ورد الاعتبار وإعادة الإدماج واستخلاص العبر والحقائق لمصالحة المغاربة مع ذواتهم وتاريخهم وتحرير طاقاتهم للإسهام في بناء المجتمع الديموقراطي الحداثي ، الذي يعد خير ضمان لعدم تكرار ما حدث ” .

أما الأستاذ أحمد حرزني ، رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سابقا فيشير إلى ان برنامج جبر الضرر الجماعي جاء نتيجة الدور الذي لعبته هيئة الإنصاف والمصالحة في تأصيل التجربة المغربية للعدالة الانتقالية .. حيت اعتمدت فلسفة خاصة ومقاربة شمولية في مجال جبر الضرر الجماعي أو عن طريق رد الاعتبار للمناطق التي شهدت حدوث انتهاكات جسيمة وتضررت جراء ما تعرضت له من تهميش واقصاء “*

وخلص المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أثناء دراسته لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ، أن كثيرا من لجان الحقيقة عبر العالم ، لا تركز على العدل فحسب ، بل أيضا على الجوانب المتعلقة بالذاكرة التاريخية على المدى البعيد ، المتصلة بماضي انتهاكات حقوق الإنسان إذ أن تذكر الماضي والاحتفاء به يعتبر جانبا مهما من اهداف لجان الحقيقة ، ومن بينها الفكرة القائلة ، بأن الذكرى ترتبط بالتأكد من عدم تكرار انتهاكات الماضي ، وتتضمن المبادرة هذه ما يلي *

  • إعادة تسمية الاماكن العامة ( الشوارع والمباني والمنتزهات .)
  • حفظ الذاكرة مع تشجيع البحث في تاريخ المغرب الراهن ، وإعادة كتابة التاريخ .

ومن أهم الخلاصات ان الحفظ الإيجابي للذاكرة يتحقق عبر المصالحة التفاعلية والإيجابية مع المكان والتاريخ ، وبين مكونات المجتمع ، وتحويل هذه الأماكن إلى فضاءات مندمجة في محيطها الاجتماعي والثقافي يحفظ الذاكرة ويتتبعها مع ضرورة الربط بين حفظ الذاكرة ومتطلبات التنمية …

وفي انتظار ذلك تقبلوا فائق التقدير والاحترام .

كلمة الأستاذ أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري سابقا حول جبر الضرر الجماعي حصيلة سنتين من العمل يوليوز 2007 يوليوز 2009

جمعية المحامين الشباب بالخميسات ” تجربة جبر الضرر الجماعي بالمغرب” اعداد الأستاذ احمد اتزكي ص 58 عن تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة الكتاب الثالث .

هذه الرسالة وحدها دليل قاطع على ضرورة إسقاط اسم هذا الطاغية  المفسد من المركب الثقافي الموجود وسط المدينة القديمة قرب العين  الزرقاء .

ومما جاء في رسالة السلطان مولاي سليمان إلى زعيم تازروالت ما يلي : ” عوض ولدنا البار النقي الزكي المحب الصادق اللبيب الحاذق الشريف السيد هاشم السملالي ، امدك الله بإعانته وحرسك بعين عنايته ، سلام عليك ورحمة الله وبعد … وبدل الجهد والجد في صلاح المسلمين ، والسعي في مرضاة ربك ورحمته التي هي خير وابقى ، والله يجازيك بأحسن جزائه … ولكما لك من الدين وجريك على سنن المهتدين ، تغتر و تنخدع لدسائس أغناج وسفسطته … وانظر رعاك الله فيما يستدل به على شيطنة أغناج أنه لما كنت بمراكش ، وكان باقيا على ولايته ، كان يظهر التكاسل والعجز من عدم القدرة على أي شيء ما ، ويدعي فساد القبائل إلى غير ذلك مما لا أخا له يخفي عليك ، ولما عزلته عند سفري إلى مراكش وعلم بذلك وعرفه انتصب وشمر ذيله للعباد والسفسطة ، وصار يدلس على المسلمين كعادته ، ويفتر على الله الكذب ، بدعوى تزوير الكتب الواردة عليه ، ترويجا لقصد الفساد واكل أموال المسلمين ، ويعد ذلك غنيمة وفرصة انتهزها خيب الله رجاءه واخلى من الخير أرجاءه ، فاعلم رعاك الله، اننا عزلناه عزلا كليا ، ورفعنا يده عن التصرف في شيء من امور المسلمين … وولينا ولد أخينا مولاي ناصر بن عبد الرحمن ، فشد عضده شد الله أزرك ، واجعله كأخيك وبصره وارشده ارشدك الله ، وكن له خير معين في مصالح المسلمين ، وألف له قلوب الناس ، وعرفه اهل الخير والفضل ، وبين له أشرافهم ورؤساءهم الذين بهم يكمل بهم الحرام ، وقد أمرناه ان يكون لك ولدا بارا واخا صدق ومحبة ، فلا تدخر عنه وجه نصيحة حتى تطمئن نفسه … وأني لأرجو الله له ببركة أسلافكم أن يصلح به ما فسد ،ويعز من بضائع العامة ما كسد … اما أغناج فان أراد الخير لنفسه فليقدم علينا حيثما كنا ، ،ولا يرجئ ذلك لقدومنا لمراكش ولا لغيره ، فالخدمة لا تتقيد بزمان ، وإن لم يكن له قصد إلا الفساد لا غير ، فالله لا يهدي كيد الخائنين ولا يصلح عمل المفسدين والسلام .11 رمضان عام 1236وهذا الكتاب وجهته بعينه لولد أخينا مولاي ناصر حتى يراه ويعلم اننا أمرناك بإرشاده ونصيحته ”

انتهت رسالة عزل السلطان مولاي سليمان 1822 لمحمد بن يحيا أغناج